dimanche 14 juin 2026

الشر في "نواعير الشر"

اكتمال الرواية يسمح الآن بحسم هذه الأسئلة التي كانت معلّقة أثناء القراءة المرحلية. بل يمكن القول إن الفصل الأخير جاء ليقدّم جواب الرواية النهائي عن معنى "النواعير" وطبيعة "الشر" وإمكان الخروج من دائرته. أولا: ما طبيعة الشر في الرواية؟ هل هو نفسي أم اجتماعي أم حضاري أم وجودي؟ الجواب: الشر في "نواعير الشر" متعدد الطبقات، والرواية تتعمّد عدم اختزاله في مستوى واحد. 1. الشر النفسي يتجسد في الشخصيات التي تحولت جراحها إلى نزعة تدمير. أوضح مثال: مايكل جورج فهما ليسا مجرد مجرمين، بل شخصيتان تحوّل فيهما النقص الداخلي إلى رغبة في الهيمنة والإفساد. لكن الرواية لا تكتفي بهذا التفسير النفسي. لأن مايكل وحده لا يستطيع أن يدمّر مدينة بأكملها. 2. الشر الاجتماعي يتجسد في: التهميش الفقر الحڨرة الهجرة استغلال النساء احتقار الجهات الداخلية وهو ما يتكرر في خطابات نضال العربي والأحدب ورفاقهما. فالمدينة اليتيمة ليست ضحية شخص واحد. إنها ضحية بنية اجتماعية كاملة. ولهذا يصبح الشر هنا نظاما لإعادة إنتاج الحرمان. 3. الشر الحضاري وهذا مستوى شديد الأهمية في الرواية. فالكاتبة تربط الشر بـ: الاستلاب الإعلام الموجّه المشاريع الوهمية الاقتصاد المفترس تحويل الإنسان إلى أداة ولهذا تكثر الإشارات إلى: التنين النار المشاريع المفروضة الكراسي المركز الذي يجهل الهامش فيصبح الشر شكلا من أشكال إدارة العالم. 4. الشر الوجودي وهنا تبلغ الرواية أعمق مستوياتها. فالشر ليس حادثة. بل جزء من طبيعة الوجود نفسه. يتضح ذلك في خطاب الأحدب حين يقول إن الخير والشر يلازمان الحياة وأن الطبيعة نفسها تقوم على الصراع. بل نجد في الفصل الثالث عشر تأملا واضحا: "الشر هو حقيقة ثانية تولد مع أشخاص ولا تولد مع آخرين تماما مثل الخير..." هذا الكلام مهم جدا. لأن الرواية ترفض وهم القضاء النهائي على الشر. الشر جزء من بنية العالم. لكنه ليس قدرا مطلقا. ثانيا: هل النواعير قدرية أم اجتماعية أم نفسية؟ بعد نهاية الرواية أرى أن الجواب الأدق هو: النواعير ليست شيئا واحدا، بل آلية دوران. النواعير هي: النفس حين تعيد إنتاج جراحها. المجتمع حين يعيد إنتاج ظلمه. السلطة حين تعيد إنتاج هيمنتها. التاريخ حين يعيد إنتاج مآسيه. ولهذا فإن كلمة "نواعير" أهم من كلمة "الشر" نفسها. الرواية لا تتحدث عن وجود الشر. بل عن كيفية دورانه واستمراره. فالخطر ليس وجود الشر. الخطر أن يتحول إلى دورة. إلى ماكينة. إلى نظام يعيد إنتاج نفسه. ولهذا جاء العنوان: "نواعير الشر" ولم يأت: "الشر" فحسب. ثالثا: هل تطرح الرواية إمكانية الخروج من الدائرة؟ هنا نصل إلى أهم سؤال. وأظن أن جواب الرواية هو: نعم، لكن ليس عبر القضاء على الشر، بل عبر تعطيل نواعيره. وهذا فرق جوهري. الرواية لا تقول: سنقضي على الشر. بل تقول: سنوقف ماكينة إنتاجه. كيف؟ عبر: الوعي الحب الفن العمل الجماعي إعادة الاتصال بالطبيعة استعادة الذاكرة ولهذا نجد أن الانتصار النهائي لا يتحقق بالرصاص. ولا بالثأر. ولا بالعنف. بل يتحقق حين: تتدفق المياه. تُرمم المدارس. تُفتح المعامل. يجتمع أبناء الجهات. يتحول الهامش إلى مركز. أي حين تستعيد الحياة قدرتها على الدوران. رابعا: ما المفارقة الكبرى في النهاية؟ أثناء الفصول الأولى كان القارئ يعتقد أن الصراع هو: الخير ضد الشر. لكن النهاية تكشف أن الصراع الحقيقي هو: نواعير الشر ضد نواعير الخير. فالخير نفسه يصبح ناعورة: الماء يدور. الحب يدور. المعرفة تدور. التضامن يدور. الحياة تدور. ولهذا لا تنتهي الرواية بإبادة النار. بل بالمصالحة بين النار والماء: "الماء حياة ورواء والنار عشق وشفاء" وهذه الجملة من أهم مفاتيح النهاية. لأنها تعلن تجاوز الثنائية الصلبة. لم يعد الهدف قتل النار. بل ترويضها. كما لم يعد الهدف محو الشر من الكون. بل منع تحوله إلى نظام مهيمن. الخلاصة بعد اكتمال الرواية يمكن القول إن: الشر في "نواعير الشر" ليس فردا ولا حادثة، بل منظومة متعددة المستويات: نفسية واجتماعية وحضارية ووجودية. النواعير ليست رمزا للشر نفسه، بل لآلية إعادة إنتاجه واستمراره. الرواية لا تؤمن بإمكان القضاء النهائي على الشر. لكنها تؤمن بإمكان تحويل اتجاه الدوران. ولذلك فإن رحلة الرواية كلها هي انتقال من نواعير الشر إلى نواعير الخير. ومن هنا يمكن اعتبار الفصل الأخير جوابا مباشرا عن سؤال العنوان: ليست المشكلة أن الشر موجود، بل أن نتركه يدور وحده. أما الخلاص فيبدأ حين يستعيد الخير هو أيضا قدرته على الدوران.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire