lundi 8 juin 2026

رحلة المدينة من الرماد إلى الماء

من نواعير الشر إلى نواعير الخير: رحلة المدينة من الرماد إلى الماء ## قراءة نقدية في رواية «نواعير الشر» تنهض رواية «نواعير الشر» على مشروع سردي يتجاوز حدود الحكاية التقليدية ليقارب أسئلة الوجود والهوية والعدالة والخراب والخلاص في مجتمع عربي معاصر يرزح تحت أوزار التهميش والعنف والتطرف. ومنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه لا يواجه رواية واقعية بالمعنى الضيق للكلمة، بل نصاً يراوح بين الواقعي والرمزي، بين التوثيق والحلم، بين الجرح التاريخي والرؤيا الشعرية. تبدو الرواية في ظاهرها حكاية مدينة مهمشة وشخصيات أنهكتها الخسارات، لكنها في جوهرها رواية عن الشر بوصفه منظومة، وعن الخير بوصفه طاقة مقاومة. ولهذا فإن عنوانها «نواعير الشر» لا يحيل إلى شرّ فردي أو حادثة معزولة، وإنما إلى آلة ضخمة تدور باستمرار وتعيد إنتاج الخراب بأشكال مختلفة. فالناعورة بطبيعتها حركة متواصلة، والشر في الرواية كذلك: يتجسد مرة في الإرهاب، ومرة في التهميش، ومرة في الاستغلال الجنسي، ومرة في الهجرة واليأس والحقرة والعنف الرمزي والمادي. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الرواية كلها باعتبارها رحلة طويلة للخروج من دائرة هذا الدوران الجهنمي، أي انتقالاً من «نواعير الشر» إلى ما يمكن أن نسميه ضمنياً «نواعير الخير». ولعل أول ما يلفت الانتباه في البناء السردي هو أن الرواية لا تمنح البطولة لشخصية واحدة. صحيح أن شخصيات مثل راضية ورهف ونادر الأحدب ورفيق وأفكار وعربية ومجد تحظى بمساحات واسعة من الحضور، غير أن البطل الحقيقي يظل المدينة نفسها. إنها مدينة تتبدل أسماؤها وصفاتها على امتداد الرواية: مدينة الرماد، المدينة اليتيمة، مدينة النار، ثم مدينة الماء. وكأننا بإزاء كائن حيّ يمر بمراحل الألم والاحتراق والشفاء والبعث. هذه المدينة ليست مجرد إطار للأحداث، بل كيان رمزي يحمل صورة الهامش العربي بأكمله. فهي تمثل المناطق التي ظلت طويلاً خارج خرائط التنمية والاهتمام، وتعرضت للتهميش السياسي والاقتصادي والثقافي. ولهذا تتجاوز الرواية خصوصية المكان لتطرح سؤالاً أوسع يتعلق بعلاقة المركز بالأطراف، وعلاقة السلطة بالمواطن، وعلاقة الوطن بأبنائه المنسيين. ومن هنا يكتسب حضور مفهوم «الحقرة» أهمية خاصة داخل الرواية. فالحقرة ليست مجرد كلمة عامية تونسية عابرة، بل تتحول إلى مفهوم مركزي يفسر كثيراً من مظاهر الغضب والانكسار. إنها التعبير الشعبي عن الشعور بالاحتقار والإقصاء وفقدان الاعتراف. ولذلك فإن مقاومة الحقرة تصبح في الرواية مقاومة وجودية قبل أن تكون مقاومة اجتماعية. في قلب هذا العالم المأزوم تحتل المرأة موقعاً محورياً. فالنساء في الرواية لسن شخصيات هامشية أو عناصر تكميلية، بل يمثلن القوة المحركة الأساسية للأحداث والرؤى. حياة شاكلا، رغم غيابها الجسدي، تظل ضمير المدينة وذاكرتها الحية. وراضية تتحول من امرأة مثقلة بالفقد إلى رمز للصمود والتحرر. أما رهف فتجسد واحدة من أكثر الشخصيات كثافة رمزية في الرواية، إذ تجمع بين الانتماء الفلسطيني والتونسي، وبين العجز الجسدي والقدرة على الحلم، وبين تجربة النار ومشروع الماء. ولا تبدو أهمية رهف نابعة من كونها شخصية مركزية فحسب، بل لأنها تختصر المسار الرمزي للرواية بأكمله. فهي امرأة احترقت وفقدت جزءاً من جسدها، لكنها لم تفقد قدرتها على تخيل المستقبل. ومن اللافت أن مشروعها النهائي هو مشروع «مدينة الماء»، وكأن الكاتبة تجعل من الشخصية نفسها جسراً بين عالم الرماد وعالم الحياة الجديدة. وتبرز شخصية عربية بدورها باعتبارها نموذجاً آخر للمقاومة. فهي لا تقاتل بالسلاح ولا بالشعارات، بل بالرعاية والاحتضان وبناء العلاقات الإنسانية. إنها تمثل شكلاً من أشكال البطولة الهادئة التي تقوم على ترميم ما حطمته القسوة. أما ملاك، في الفصل الرابع عشر، فتقدم واحداً من أكثر المقاطع فرادة في الرواية. فصورتها المرتبطة بالذئاب تتجاوز البعد الحكائي لتؤسس لرؤية رمزية معقدة. فالذئب الذي يُنظر إليه عادة بوصفه رمزاً للعدوانية يتحول هنا إلى كائن وفيّ وحارس للطبيعة. ومن خلال هذه المفارقة تعيد الرواية النظر في كثير من الصور النمطية المتعلقة بالخير والشر، والوحشية والمدنية، والطبيعة والثقافة. وتكشف الرواية في مواضع عديدة عن وعي واضح بالسياق التاريخي والاجتماعي التونسي. فهي لا تتحرك داخل فراغ رمزي خالص، بل تستثمر أحداثاً ووقائع ذات جذور واقعية. فحادثة الطفل الراعي المذبوح تستدعي في خلفيتها جريمة هزت الوعي التونسي المعاصر، كما أن قصة هند والحوت الأزرق تستحضر إحدى الظواهر الرقمية التي أثارت مخاوف واسعة خلال السنوات الماضية. كذلك تحضر الهجرة السرية، والبطالة، والتطرف، والتفاوت الجهوي بوصفها مكونات أساسية من مكونات المشهد الروائي. غير أن الرواية لا تكتفي بالتوثيق أو الإحالة على الواقع، بل تعمل على تحويل هذه الوقائع إلى رموز تتجاوز لحظتها التاريخية المباشرة. فالإرهاب مثلاً لا يظهر مجرد تنظيمات أو أفراد، بل يظهر بوصفه شكلاً من أشكال النار التي تلتهم الإنسان والمكان والذاكرة. ومن هنا تتجلى أهمية الثنائية الكبرى التي تحكم النص كله: ثنائية النار والماء. فالنار في الرواية ليست عنصراً طبيعياً فحسب. إنها شبكة رمزية واسعة تشمل العنف والحرب والكراهية والاحتراق النفسي والتهميش والتطرف. والماء بدوره لا يقتصر على دلالته الفيزيائية، بل يصبح مرادفاً للحياة والمعرفة والحب والعدالة والتجدد. وتتكرر هذه الثنائية في مستويات متعددة من السرد. فرهف تخرج من النار لتصبح حاملة لمشروع الماء. والمدينة تنتقل من الرماد إلى الخضرة. والشخصيات تتنقل بين الاحتراق الداخلي والبحث عن منابع جديدة للحياة. لكن الرواية لا تنتهي بانتصار الماء على النار بطريقة تبسيطية. ففي خاتمتها نقرأ ما يشبه المصالحة الكبرى بين العنصرين. فالنار لا تُلغى، بل تُروّض. وتتحول من قوة للتدمير إلى طاقة للحياة. وهنا تبلغ الرواية مستوى تأويلياً أعمق، إذ تقترح أن المشكلة ليست في وجود النار، بل في الوجهة التي تُستخدم فيها. فالنار قد تكون حرباً، لكنها قد تكون أيضاً عشقاً وإبداعاً وإرادة. ومن الخصائص اللافتة في الرواية كذلك المكانة التي يحتلها الفن. فالشخصيات لا تجد خلاصها الحقيقي عبر السلطة أو العنف أو الثروة، بل عبر الموسيقى والشعر والرسم والغناء والرقص والحكي. الفن هنا ليس زينة جمالية، وإنما وسيلة لإعادة بناء الذات والعالم. ولعل العلاقة بين رهف ومجد تمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التصور، إذ تتأسس على الموسيقى والذاكرة والوجدان المشترك أكثر مما تتأسس على شروط الواقع المادي. وفي مستوى أعمق، تنطوي الرواية على رؤية فلسفية خاصة للشر. فهي لا تتعامل معه بوصفه استثناء عابراً يمكن القضاء عليه نهائياً، بل بوصفه جزءاً من طبيعة الصراع الإنساني. ولهذا نجد إشارات متكررة إلى قابيل وهابيل وإلى استمرارية التوتر بين الخير والشر عبر التاريخ. غير أن الرواية لا تستسلم لهذه الحقيقة، بل تراهن على قدرة الإنسان على الحد من سطوة الشر عبر الوعي والتضامن والحب. أما النهاية فتدخل منطقة مختلفة عن الواقعية المباشرة. إنها أقرب إلى الرؤيا أو اليوتوبيا الشعرية. الأرواح تعود، والمدينة تتجدد، والماء يفيض بالحياة، والشر يتراجع. وليس من الضروري قراءة هذه النهاية بوصفها احتمالاً واقعياً، بل بوصفها أفقاً رمزياً يعبر عن الحلم الجماعي الذي بنته الرواية منذ بدايتها. في هذا المستوى الأخير يتضح أن «نواعير الشر» ليست رواية عن الخراب فقط، بل عن إمكانية تجاوزه. إنها نص يؤمن بأن الإنسان قادر، رغم الجراح، على إعادة بناء عالمه. ولذلك لا تنتهي عند صورة الرماد، بل تمضي نحو الماء. ولا تتوقف عند الشر، بل تبحث عن شروط الخير. ولا تستسلم للموت، بل تراهن على البعث. وهكذا تتحول الرواية من سردية للانكسار إلى ملحمة صغيرة للأمل. ومن حكاية مدينة منسية إلى استعارة لوطن يبحث عن صورته الممكنة. ومن وصف لنواعير الشر إلى اقتراح رمزي لنواعير أخرى قادرة على تدوير الحياة والحب والجمال. ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تتركه الرواية في ذهن قارئها: أن الخراب قد يكون واسعاً ومزمناً، لكن الماء يظل قادراً على العودة، وأن المدن التي احترقت طويلاً تستطيع، إذا امتلكت إرادة الحياة، أن تستعيد خضرتها من جديد.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire