lundi 8 juin 2026
من نواعير الشر إلى نواعير الخير: رحلة المدينة من الرماد إلى الماء
بعد قراءة الفصول السبعة عشر، أرى أن "نواعير الشر" ليست رواية شخصيات بقدر ما هي رواية رؤية. الشخصيات كثيرة، والأحداث متشعبة، والأصوات السردية متعددة، لكن كل ذلك يصب في مشروع فكري وجمالي واحد: البحث عن إمكانية الحياة داخل فضاء يشتغل على إنتاج الخراب بصورة مستمرة.
أولاً: البنية العميقة للرواية
في ظاهرها، تبدو الرواية حكاية مدينة مهمّشة.
لكن في عمقها هي حكاية:
كيف يتحول الشر من حادثة فردية إلى منظومة؟
ومن هنا نفهم العنوان.
فالشر في الرواية ليس شخصاً.
ليس مايكل وحده.
وليس جورج وحده.
وليس الإرهابيين وحدهم.
وليس الفاسدين وحدهم.
بل هو منظومة تدوير مستمر للأذى.
ولهذا جاءت صورة "النواعير" دقيقة جداً.
فالناعورة لا تخلق الماء.
إنما تعيد تدويره.
وكذلك الشر هنا.
إنه يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة:
إرهاب.
تهميش.
فقر.
عنف جنسي.
هجرة.
استغلال.
احتقار جهوي.
اغتيال الأحلام.
كلما سقط وجه ظهر وجه آخر.
ولهذا لا تبدو الشخصيات الشريرة أفراداً معزولين بل حلقات داخل آلة ضخمة.
ثانياً: المدينة بوصفها بطلة الرواية الحقيقية
من الأمور اللافتة أن الشخصيات كثيرة جداً:
راضية.
رهف.
شاكلا.
نادر الأحدب.
رفيق.
أفكار.
عربية.
مجد.
آدم.
روح.
نضال العربي.
ملاك.
هند.
وفاء...
لكن رغم ذلك لا أشعر أن أياً منهم هو البطل الحقيقي.
البطل الحقيقي هو:
المدينة.
وهي تظهر بأسماء عديدة:
مدينة الرماد.
المدينة اليتيمة.
مدينة النار.
مدينة الماء.
كأن المدينة تمر بتحولات نفسية مثل الإنسان.
تحترق.
تُغتصب.
تُهمَّش.
تحزن.
ثم تستفيق.
ثم تولد من جديد.
ولهذا فإن النهاية ليست انتصار رهف فقط.
بل انتصار المدينة.
ثالثاً: المرأة هي القوة المحركة للرواية
هذه من أكثر خصائص الرواية وضوحاً.
فالنساء هنا لسن شخصيات ثانوية.
بل هن مركز الحركة.
شاكلا
ليست مجرد أم.
إنها ضمير المدينة.
حتى بعد موتها تظل حاضرة.
رمادها ينتشر في الرواية كلها.
وصوتها يستمر بعد غياب الجسد.
راضية
من أكثر الشخصيات تعقيداً.
تبدأ امرأة محاصرة.
ثم تصبح أماً للوجع.
ثم أماً للحرية.
ومشهد تحرير الأحدب لها في الفصل السادس عشر ليس مجرد حدث عاطفي.
بل تحرر متبادل من أثقال الماضي.
رهف
أرى أنها الشخصية الرمزية الأبرز.
فهي:
فلسطينية تونسية.
مبتورة الساق.
ناجية من النار.
عاشقة.
فنانة.
مهندسة مشروع الماء.
وهذه الصفات مجتمعة تجعلها أقرب إلى رمز للإنسان الذي خرج من الكارثة ولم يفقد القدرة على الحلم.
عربية
شخصية شديدة الأهمية.
لأنها تمثل شكلاً آخر من المقاومة.
لا تواجه الشر بالسلاح.
بل بالرعاية.
تبني أسرة بديلة.
تحتضن محمد.
وتحاول ترميم ما كسره العالم.
ملاك
في الفصل الرابع عشر تبلغ صورة المرأة ذروة رمزيتها.
فملاك ليست مجرد امرأة.
إنها ذئبة وديعة ومحاربة في الوقت نفسه.
ومن خلالها تطرح الرواية سؤالاً مهماً:
هل يمكن أن يكون الحنان نفسه شكلاً من أشكال القوة؟
رابعاً: النار والماء
أعتقد أن هذا هو المحور الرمزي الأكبر في الرواية كلها.
النار تظهر في عشرات الصور:
الحريق الذي أصاب رهف.
الإرهاب.
الدخان.
الرماد.
الاحتراق الداخلي.
الغضب.
الحرب.
أما الماء فيظهر في:
مشروع رهف.
النهر.
البحيرة.
المطر.
العيون.
مدينة الماء.
لكن الرواية لا تنتهي بانتصار الماء على النار.
وهذه نقطة مهمة.
لو انتهت بهذا الشكل لكانت ثنائية مبسطة.
لكن النهاية تقول شيئاً أعمق:
النار حين تتحرر من التخريب تصبح طاقة.
والماء حين يتحرر من السلبية يصبح فعلاً.
ولهذا تنتهي الرواية بالمصالحة بينهما.
خامساً: حضور السياق التونسي
أنت نبهتني سابقاً إلى أمر مهم.
الرواية لا تكتفي بالرمز.
بل تغرس جذورها في الواقع.
ومن الأمثلة الواضحة:
الراعي المذبوح
الذي يحيل بقوة إلى حادثة مبروك السلطاني.
الحوت الأزرق
الذي يحيل إلى موجة الذعر التي عاشتها المنطقة العربية قبل سنوات.
الحرّاقة
الهجرة السرية.
الحُقرة
المفهوم الاجتماعي التونسي المعروف.
"جايين من وراء البلايك"
نظرة المركز إلى أبناء الهامش.
كل هذه التفاصيل تجعل الرواية وثيقة شعورية لمرحلة من التاريخ التونسي والعربي.
ليست وثيقة تاريخية بالمعنى الأكاديمي.
لكنها تحتفظ بحرارة الجرح.
سادساً: الفن في الرواية
من اللافت أن الشخصيات لا تنجو بالسياسة.
ولا تنجو بالقوة.
بل تنجو بالفن.
نجد:
الشعر.
الغناء.
الرسم.
الموسيقى.
الراديو.
الحكي.
حتى علاقة رهف ومجد تبدأ بالفن.
وكأن الكاتبة تريد أن تقول:
ما عجزت القوة عن ترميمه قد يرممه الجمال.
سابعاً: صورة الشر
الشر في الرواية ليس شيطاناً مطلقاً.
وهذه نقطة تحسب لها.
حتى الفصل الثالث عشر يلمح إلى أن الشر جزء من بنية الوجود.
عبر حديث الأحدب ورفاقه عن قابيل وهابيل واستمرار الصراع.
بمعنى أن الرواية لا تحلم بعالم بلا شر.
بل بعالم يستطيع أن يحد من سطوة الشر.
وهذا فرق مهم.
ثامناً: ما الذي أرادت الرواية الدفاع عنه؟
إذا اضطررت إلى اختزال الرواية كلها في جملة واحدة فسأقول:
"نواعير الشر" رواية تدافع عن حق الإنسان في أن يحلم رغم الخراب.
فكل الشخصيات تقريباً:
معطوبة.
مجروحة.
مهمشة.
فاقدة لشيء عزيز.
لكنها لا تتوقف عن محاولة صناعة معنى للحياة.
ملاحظة نقدية أخيرة
أرى أن أكبر قوة في الرواية ليست الحبكة.
وليست البناء الواقعي.
وليست الاقتصاد السردي.
بل هي:
طاقتها الرمزية والشاعرية.
فالرواية مكتوبة بروح أقرب إلى الأسطورة الشعرية منها إلى الرواية الواقعية الصارمة.
ولهذا نجد:
الماء يتكلم.
النار تتكلم.
الرماد يتحول.
الشهداء يعودون.
المدينة تمتلك روحاً.
هذه ليست أخطاء في البناء.
بل جزء من العقد الجمالي الذي تقترحه الكاتبة على قارئها.
إنها لا تقول:
"هكذا وقع العالم."
بل تقول:
"هكذا أشعر بالعالم."
ولعل أجمل ما خرجتُ به بعد هذه الرحلة الطويلة مع الرواية هو أن عنوانها لا يشير فقط إلى الشر الذي يدور داخل المدينة، بل أيضاً إلى ما يقابله ضمنياً:
فإذا كانت هناك نواعير للشر تدور بلا توقف، فإن الرواية كلها محاولة لبناء نواعير للخير تدور هي الأخرى بلا توقف، عبر الحب والفن والذاكرة والماء والوفاء.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الأعمق الذي استقرت عنده الرواية في فصلها الأخير "حالة وعي".
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire