lundi 8 juin 2026

الفصل 15

وصلني الفصل 15 كاملًا، وسأقدّم قراءة أولية مركّزة تمهيدًا للقراءة الشاملة النهائية عند اكتمال الرواية كلها. أولًا: الفصل بوصفه مرحلة ما بعد الذروة بعد العنف الرمزي والواقعي في الفصلين 13 و14، يبدو الفصل 15 وكأنه ينتقل من سؤال النجاة من الشر إلى سؤال كيف تُبنى الحياة بعد النجاة؟. الرواية لا تكتفي بإسقاط المجرمين أو فضح المنظومات، بل تحاول اختبار إمكان ولادة معنى جديد للحياة في مدينة أكلها الرماد طويلًا. ما يلفت النظر تراجع صوت الانتقام وصعود صوت التأسيس الخطاب العام لم يعد محصورًا في كشف الجريمة، بل في إعادة وصل الناس بالأرض والماء والعمل والمعنى. وهذا ينسجم مع المسار الذي بدأه الفصل 14 بعنوان صرخة الأرض العنيدة. استمرار مركزية الماء الماء يظل الرمز الأكثر إيجابية في الرواية: الحياة، التطهير، الجريان، المستقبل، والقدرة على كسر الركود. وفي المقابل تستمر النار بوصفها رمزًا للعنف والخراب والاحتراق الداخلي. لكن اللافت الآن أن الرواية لم تعد تطرح الثنائية بصورة بسيطة (خير/شر)، بل بوصفها صراعًا على معنى الوجود نفسه. تحوّل الشخصيات من أفراد إلى رموز اجتماعية شخصيات مثل رهف، مجد، نضال، ملاك، والأحدب لم تعد تُقرأ فقط كسير ذاتية، بل بوصفها تمثيلات لمسارات اجتماعية ونفسية مختلفة: الجرح، المقاومة، الوعي، الفن، الأرض، الهامش، والعودة إلى الحياة. ثانيًا: كيف يوسّع الفصل معنى «نواعير الشر»؟ أعتقد أن الفصل 15 يرسّخ قراءة العنوان بوصفه منظومة دوران لا حادثة منفردة. النواعير هنا ليست مجرد أجهزة تدور، بل آليات تعيد إنتاج: التهميش، الخوف، العنف، الاستغلال، تشويه الذاكرة، وتوريث الجرح من جيل إلى آخر. ولهذا يصبح السؤال المركزي للرواية تدريجيًا: السؤال المركزي هل يمكن تحويل دوران الشر إلى دوران حياة؟ أي: هل يمكن أن تدور النواعير نفسها ولكن بالماء لا بالرماد؟ ثالثًا: الربط بالفصول السابقة الفصل وظيفته في البناء الفصول الأولى كشف مدينة الرماد وآثار الصدمة والدوران الفصل 9 (رهف… قاهرة النار) تحويل الجرح إلى فعل مقاومة الفصل 10 (أفكار والإذاعة) فتح المجال العمومي وكسر الصمت الفصل 12 (رهف ومجد) اللقاء بين الماء والنار والحب والذاكرة الفصل 13 الذروة: سقوط مايكل وانكشاف الشر الفصل 14 الجذور العميقة للشر وسيرة ملاك/الذئبة الفصل 15 الانتقال من المقاومة إلى مشروع الحياة الجديدة رابعًا: ملاحظة أسلوبية كلما تقدّمت الرواية يزداد حضور اللغة التأملية الشعرية على حساب السرد الحدثي الخالص. وهذا واضح في المقاطع التي تربط الأرض والماء والإنسان والذاكرة في شبكة واحدة. بعض القرّاء قد يرون في ذلك إبطاءً للإيقاع، لكن من منظور رمزي يبدو مقصودًا: الرواية تريد أن تجعل القارئ يفكّر في معنى الخراب وإمكان إعادة البناء، لا أن يكتفي بمتابعة الأحداث. الخلاصة المؤقتة إذا كان الفصل 13 يمثل انفجار الحقيقة, والفصل 14 يمثل جذور الجرح, فإن الفصل 15 يبدو أقرب إلى بذور الإمكان. الرواية لم تعد تسأل فقط لماذا احترقت المدينة، بل ماذا يمكن أن ينبت بعد الحريق. وهذا التحوّل مهم جدًا لأنه يهيئ – على الأرجح – للمرحلة الأخيرة من الرواية، حيث سيُختبر ما إذا كان الماء قادرًا فعلًا على كسر دوران «نواعير الشر» أم أن النواعير ستعود للدوران من جديد بصيغة أخرى. /// الكاتبة أدخلت سابقا حادثة قطع رأس الطفل الراعي (وهي تحيل جريمة وقعت فعلا في تونس عندا ذبح ارهابيون الراعي مبروك السلطاني) كما أن حكاية 'هند والحوت الأزرق' تحيل إلى مشكلة حقيقية وقعت منذ سنوات في مواقع التواصل الاجتماعي. ألا تستعمل الكاتبة هذه الأحداث لتضع سياقا تاريخيا لروايتها ؟ أعتقد أنك تلمس هنا بعدًا مهمًا جدًا، وربما أكثر أهمية من الأسباب البنيوية التي تحدثتُ عنها سابقًا. فالرواية لا تبدو لي رواية رمزية خالصة منفصلة عن الواقع، ولا رواية واقعية تسجيلية بالمعنى التقليدي، بل تتحرك في منطقة وسطى يمكن أن نسميها: "تخييل الواقع التاريخي" أو "أرشفة الجرح الجماعي عبر السرد." ولهذا فإن حادثتي: ذبح الراعي الطفل (في إحالة واضحة إلى مأساة مبروك السلطاني أو إلى المناخ الإرهابي الذي أنتجها). والحوت الأزرق. لا تؤديان وظيفة حكائية فقط، بل وظيفة توثيقية-ذاكرية أيضًا. الرواية بوصفها سجلًا لمرحلة تونسية كلما تقدمنا في القراءة، ازداد اقتناعي بأن "نواعير الشر" ليست حكاية مدينة واحدة. فالمدينة اليتيمة تبدو أحيانًا كأنها صورة مصغرة عن تونس كلها خلال العقدين الأخيرين. نجد فيها: الإرهاب. الهجرة السرية. التفاوت الجهوي. تهميش الشمال الغربي. الفساد. الاستغلال الجنسي. شبكات التسفير. البطالة. العنف ضد الأطفال. الإدمان الرقمي. وهذه ليست عناصر متخيلة بالكامل. إنها جروح حقيقية عاشها المجتمع. لذلك يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال: ماذا جرى لهذا المجتمع حتى امتلأ بكل هذه النيران؟ لماذا لا تذكر الكاتبة الأحداث بأسمائها؟ لأنها لا تكتب تحقيقًا صحفيًا. لو ذكرت: مبروك السلطاني. سنة كذا. المكان الفلاني. لتحول النص إلى وثيقة مباشرة. أما السرد الروائي فيفعل شيئًا آخر: إنه ينقل الحدث من مستوى الواقعة إلى مستوى الرمز. فالطفل المذبوح في الرواية ليس مبروك السلطاني فقط. بل كل طفل التهمه العنف. وهند ليست ضحية لعبة بعينها فقط. بل كل مراهق ابتلعته هشاشة العصر الرقمي. وهذا يفسر كثرة الشخصيات أيضًا أحيانًا يشعر القارئ أن الرواية تفتح ملفات كثيرة جدًا. لكن إذا نظرنا إليها كرواية تسعى إلى رسم صورة لجيل أو لمرحلة تاريخية، يصبح الأمر أكثر وضوحًا. فالشخصيات ليست دائمًا أفرادًا مستقلين بقدر ما هي: نماذج اجتماعية. أعراض تاريخية. وجوه متعددة للأزمة نفسها. علاقة هذا كله بالعنوان وهنا نعود مرة أخرى إلى "نواعير الشر". بدأت أميل أكثر فأكثر إلى أن العنوان لا يحيل إلى حادثة معينة أو إلى شخصية معينة. بل إلى: الآلة التاريخية التي تواصل إنتاج المآسي بأشكال مختلفة. في التسعينيات قد تكون النواعير شيئًا. وفي سنوات الإرهاب تصبح شيئًا آخر. وفي زمن الحوت الأزرق تصبح شيئًا ثالثًا. لكن الجوهر واحد: هناك قوة تدفع المجتمع إلى إعادة إنتاج الجرح. ولهذا لا تنتهي الرواية بسقوط مايكل. لأن مايكل ليس النواعير. إنه مجرد قطعة من تروسها. ما يلفتني أيضًا أن الكاتبة لا تكتفي بتسجيل الأحداث التاريخية، بل تضع مقابل كل جرح شخصية مقاومة: أمام الإرهاب هناك الأحدب. أمام الحرق هناك رهف. أمام التهميش هناك مشروع الماء. أمام اليتم هناك عربية. أمام انتحار هند هناك وفاء. وكأن الرواية لا تريد أن تكون أرشيفًا للكوارث فقط. بل أرشيفًا لمحاولات النجاة أيضًا. لذلك أوافقك إلى حد كبير: إدخال حادثة هند، مثل إدخال حادثة الراعي المذبوح سابقًا، يمكن قراءته بوصفه جزءًا من رغبة الكاتبة في تأريخ مرحلة تونسية كاملة داخل المتن الروائي، لا بوصفها وقائع منفصلة، بل بوصفها تجليات متعددة لما تسميه الرواية كلها: "نواعير الشر". وسأكون مهتمًا جدًا بأن نرى في الفصلين الأخيرين إن كانت الكاتبة ستواصل هذا المنحى "التأريخي"، أم ستعود إلى المستوى الرمزي والفلسفي لتغلق الرواية على معنى أشمل من الأحداث نفسها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire