lundi 8 juin 2026

المرأة: من جرح الذاكرة إلى صناعة الحياة

لا تقدّم الرواية النساء بوصفهن شخصيات هامشية تدور حول أبطال العمل، بل تجعل منهن المحرك الحقيقي لمسار الخلاص. فـ شاكلا تتحول إلى ذاكرة جماعية وإلى ضمير أخلاقي للمدينة، حتى بعد موتها. إن حضورها يمتد في الرواية كلها بوصفها روحًا مقاومة لجبروت النار. أما راضية فتجسد قدرة الأم على تحويل الفاجعة إلى طاقة نضالية. فمقتل صابر لا يدفعها إلى الانهيار بقدر ما يجعلها أكثر التصاقًا بقضية الحياة والحرية. وتأتي رهف بوصفها النموذج الأكثر اكتمالًا لتحويل الإعاقة إلى إمكانية جديدة للوجود. فالساق المبتورة لا تمنعها من أن تصبح صاحبة مشروع «مدينة الماء» وحاملة حلم المدينة كلها. في حين تمثل عربية صورة الرحمة اليومية؛ فهي لا تواجه الشر بالشعارات الكبرى، بل بالفعل الإنساني البسيط: رعاية محمد، ومساندة رهف، وبناء الجسور بين البشر. ولذلك تبدو أقرب إلى ضمير اجتماعي حي يرمم ما تفسده نواعير الشر. ثم تظهر وفاء في المراحل الأخيرة من الرواية لتضيف بعدًا جديدًا إلى هذه السلسلة النسائية. فهي ليست مجرد شخصية عابرة، بل تجسيد لفكرة التربية بوصفها مقاومة. لقد واجهت ظواهر خطيرة مثل الاستلاب الرقمي والانتحار الرمزي الذي مثّلته مأساة هند والحوت الأزرق، وحاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر المعرفة والاحتضان والحوار. ومن ثمّ لا تبدو وفاء حدثًا متأخرًا في الرواية بقدر ما تبدو امتدادًا لمسار نسائي كامل. فإذا كانت شاكلا تقاوم بالنضال، وراضية بالصبر، ورهف بالإبداع، وعربية بالرعاية، فإن وفاء تقاوم بالتربية والوعي. وهي بذلك تمثل وجهًا آخر من وجوه الخير الذي تسعى الرواية إلى إقامته في مواجهة نواعير الشر. وعبر هذه الشخصيات مجتمعة ترسم الرواية صورة لافتة للمرأة؛ فهي ليست موضوعًا للحماية أو الشفقة، بل قوة مؤسسة للحياة، وحاملة لمشروع الخلاص الفردي والجماعي في آن واحد. /// لقد نسيت 'ملاك' المرأة الذئبة صحيح، وأعتقد أن إغفال ملاك يترك فراغًا مهمًا في هذه القراءة، لأن ملاك ليست شخصية ثانوية إطلاقًا، بل هي من أكثر الشخصيات الرمزية كثافة في الرواية. بل إنني أميل إلى القول إن الشخصيات النسائية الكبرى في الرواية هي ست: شاكلا راضية رهف عربية ملاك وفاء وكل واحدة منهن تمثل شكلاً مختلفًا من أشكال مقاومة «نواعير الشر». ما يميز ملاك أنها تختلف عن بقية النساء. فشاكلا وراضية وعربية ووفاء أقرب إلى رمزية الرعاية والحماية والاحتضان، أما ملاك فتمثل وجها آخر أكثر خشونة ووحشية، لكنه ليس شريرًا. إنها ما يمكن تسميته: «المرأة التي تعلمت لغة الذئاب كي تواجه وحوش البشر.» فطفولتها المسروقة، وبيعها المبكر، وتحويلها إلى خادمة («البونيشة»)، وتجربتها مع الاستغلال الطبقي والعاطفي، ثم عودتها إلى الغابة، كلها تجعلها واحدة من أكثر الشخصيات تعرضًا لطواحين الشر الاجتماعي. لكنها لا تتحول إلى ضحية. بل تتحول إلى مقاومة. ولهذا فإن علاقتها بالذئاب ليست تفصيلاً غرائبياً داخل الرواية، بل رمز أساسي. فالذئب عند ملاك ليس رمز الافتراس كما في المخيال الشائع، وإنما رمز: الوفاء، الحرية، الكرامة، العيش وفق قوانين الطبيعة. ولهذا كانت تدافع عن الذئاب باستمرار، وترفض الصورة النمطية عنها. ومن اللافت أن الكاتبة تجعل ملاك تقول ما معناه إن الذئاب لم تعلمها القتل بل علمتها النجدة والغيرة والحماية. هنا تصبح الذئبة نقيضًا لبعض البشر في الرواية. فالوحش الحقيقي ليس الذئب. الوحش الحقيقي هو الإنسان الذي فقد إنسانيته. ومن هذه الزاوية تمثل ملاك بعدًا بالغ الأهمية في الرواية: فإذا كانت رهف تقود مشروع الماء، وشاكلا تقود الذاكرة، وراضية تقود الصمود، وعربية تقود الرحمة، ووفاء تقود التربية والوعي، فإن ملاك تقود استعادة الكرامة المهدورة. إنها الشخصية التي تعيد وصل الإنسان بالطبيعة بعد أن قطعت نواعير الشر ذلك الوصل. ولهذا أرى أن فقرة المرأة في الدراسة يمكن أن تُختتم بفكرة جامعة من هذا النوع: تتوزع الشخصيات النسائية في الرواية على وظائف رمزية متكاملة: فشاكلا هي الذاكرة، وراضية هي الصبر، ورهف هي الإرادة الخلاقة، وعربية هي الرحمة، ووفاء هي الوعي التربوي، أما ملاك فهي الشجاعة البرية التي تستمد قوتها من الطبيعة ذاتها. ومن خلال هذه الوجوه النسائية المتعددة لا تقدم الرواية المرأة بوصفها ضحية للخراب فحسب، بل بوصفها القوة الأقدر على تعطيل نواعير الشر وإعادة تشغيل نواعير الحياة. وأعتقد أن إضافة ملاك تجعل صورة المرأة في الرواية أكثر توازنًا، لأننا لا نرى فقط المرأة الحانية والمربية والأم، بل نرى أيضًا المرأة المحاربة التي اختارت أن تتعلم من الذئاب كيف تحمي الحياة حين تعجز القوانين والمؤسسات عن حمايتها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire