lundi 8 juin 2026

عزيزة

================= كانت تمرُّ ملتصقةً بالحائط كظلٍّ خائف، كأنَّها تَحْمِل جَبَلًا عَلى ظَهرِها . لم تلتفت ولو لمرةٍ واحدة. لم تلتفت أبدًا إلى الوراء. لَمْ تُبْدِ أيَّ اهتِمامٍ بِمَن يَرفضُها، أَو بِمَن يَترُك لَها بَقَايا خُبزٍ عَلى حافَّةِ النَّافِذَة. كان الشارع يتقلّصُ وراءها كلّما مشت، وكان النهار يتراجع خجلا، ويملأ الصقيعُ الفراغَ. وحالما تختفي عند المنعطف، يبدو العالمُ على حافة الانهيار. عندها أعرفُ: عزيزة قد مرتْ من هنا. "إنها مغرورة جدًا"، قال أحدهم ذات يوم. "إنها خائفة من الناس"، أجاب آخر. لكنهم لم يعرفوها. لَم يَعرِف أحَدٌ سِرَّ صَمتِها. لا أحدَ عرفها. حتى القط الذي كان يتبعها كل يوم لم يكن يعرفها. لقد سلبوها كل شيء - عائلتها، بَيتًا كانَ يَضِجُّ بِضَحَكاتِ إخوَتِها الصِّغارِ، كلمات كانَت تَتَدفَّقُ مِن فَمِها قَبلَ أَن تَتحوَّلَ إِلى صَمْت. ما تبقى منها هو اسمٌ يُنادونَها بِهِ كَأَنَّهُ لَعنَة، وجسدٌ يَحمِلُ أوجاعَ مَدينَةٍ كامِلَة، وصمتٌ يثقلُ مع كل خطوة. "إنها مجنونة!"، كانوا يقولون. لكنني كنت أعرف: عزيزة كانت أَكثَرَ عقلانيَّةً مِن جَميعِهِم. لَقَد كانَ جنونُها وَحدَهُ القادِرَ عَلَى رُؤيَةِ الحَقيقَةِ فِي مَدينَةٍ تَتَظاهَرُ بِأَنَّها سَليمَة. كانت تجلسُ في أقصى الرصيف، تحدق في الفراغ. تبقى هناك ساعاتٍ بلا حراك، كأنها تنتظرُ أحدًا وعَدها بالمجيء ولم يأتِ أبدًا. لم تتسوّل. لم تبكِ. كرامتها كانت لا تحتمل. ذات مرة، حاولت أن أقدّم لها طعاما. لم تأخذه. سألتها: "أأنت جائعة؟" نظرت إليّ صامتة. ثم سألت: "أين تنامين؟" خفضت عينيها ومشت بعيدًا. عزيزة تتحدثُ بغيابها. بالألم في روحها، بتصلّب أطرافها، بانحناءة كتفيها. أصبحت ظلًا، زفيرًا متبقيًا يتشبث بأطراف الشارع. "هل تعرف من تكون؟"، سألني أحدهم ذات يوم. فقلت: "عزيزة هي ما تبقى من الوطن." في آخِرِ يَومٍ رَأَيتها فِيهِ، كانَت تَحمِل حِزمَةَ وَرْدٍ بَرّيّ. سأَلتُها: "مِن أَينَ لَكِ هَذِهِ؟". أَشارَت نَحوَ المَقبَرَة. لَم أَسأَل أَكثَر. فِي المَساء، وَجَدَها بَعضُهُم نائِمَةً بَينَ شَواهِدِ القُبور، ووَجهُها مُلتَفٌّ بِأَزْهَارٍ بَيْضاء، كَأَنَّها أَخيرًا وَجَدَت مَنْ يَسمَعُها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire