dimanche 14 juin 2026
الأسطورة بوصفها أفقًا تأويليًا في رواية «نواعير الشر»
الأسطورة بوصفها أفقًا تأويليًا في رواية «نواعير الشر»
من الملاحظ أن رواية «نواعير الشر» تنفتح على مستويات دلالية متعددة؛ فهي رواية اجتماعية ترصد التهميش والعنف، ورواية رمزية تقوم على ثنائية الماء والنار، كما أنها رواية رؤيوية تسعى إلى مساءلة مصير الإنسان في عالم تتنازعه قوى الخير والشر. غير أن من التفاصيل التي تستوقف القارئ وتدعوه إلى إعادة النظر في أفق الرواية كله، ذلك الاستدعاء اللافت لبعض الرموز والأساطير الإنسانية الكبرى، وخاصة حين يتحدث نادر الأحدب في إحدى الحوارات عن شخصيتي بروميثيوس وجلجامش.
قد يبدو هذا الاستدعاء للوهلة الأولى مجرد إحالة ثقافية عابرة، لكنه في تقديري يؤدي وظيفة تأويلية أساسية، لأنه ينقل الرواية من مستوى الحكاية المحلية إلى مستوى السؤال الإنساني الكوني. فمدينة الرماد ليست مجرد فضاء روائي محدود، بل تصبح صورة مصغرة للعالم، كما تتحول الشخصيات إلى تجليات مختلفة لمعاناة الإنسان القديمة مع الشر والموت والخوف والبحث عن الخلاص.
يمثل بروميثيوس في المخيال الإنساني رمز المعرفة والتمرّد. فقد سرق النار من الآلهة ووهبها للبشر، ولذلك ارتبط اسمه بفكرة الوعي الذي يحرر الإنسان من الجهل والخضوع. وحين تستدعي الرواية هذه الشخصية الأسطورية فإنها لا تفعل ذلك اعتباطًا، لأن النار نفسها تحتل موقعًا مركزيًا داخل بنيتها الرمزية. فهي نار تحرق وتدمّر وتقتل، لكنها أيضًا نار الشغف والحب والإبداع والإرادة. ولذلك لا تنتهي الرواية بإدانة النار أو السعي إلى إلغائها، بل تنتهي بإعادة تأويلها وتوجيهها نحو الحياة.
ولعل العبارة الختامية في الرواية تعبّر عن هذا المعنى بوضوح حين تقول:
«الماء حياة ورواء والنار عشق وشفاء».
إن هذه الجملة لا تعلن انتصار الماء على النار، بل تعلن المصالحة بينهما بعد أن تم تحرير النار من وظيفتها التدميرية. ومن هنا يبدو استدعاء بروميثيوس منسجمًا مع الرؤية العميقة للرواية التي لا ترى في الطاقة أو القوة شرًا في ذاتها، بل ترى أن الشر يكمن في طريقة توجيهها واستعمالها.
أما جلجامش، بطل الملحمة الرافدية الشهيرة، فيحضر من خلال سؤال مختلف هو سؤال الخلود. فبعد موت أنكيدو خرج جلجامش يبحث عن سر الحياة الأبدية، ليكتشف في النهاية أن الخلود الجسدي مستحيل، وأن الإنسان لا يخلد إلا بأثره وأفعاله وما يتركه في ذاكرة الآخرين.
وهذا السؤال يحضر بقوة في «نواعير الشر». فالرواية مليئة بالموت والفقدان والغياب: شاكلا، وصابر، وضحايا الإرهاب والحروب والحرائق. ومع ذلك فإن الموت لا ينجح في محو الشخصيات من العالم الروائي. فشاكلا تظل حاضرة في ذاكرة المدينة ووجدان أبنائها، وصابر يتحول إلى رمز وإلى صوت يرافق مشروع الخلاص الجماعي، بل إن الرواية نفسها تنتهي بلقاء رمزي بين الأحياء والشهداء في فضاء مائي احتفالي تتجاوز فيه الشخصيات حدود الواقع المادي.
ومن اللافت أن شاكلا تخاطب أبناء مدينتها في الفصل الأخير وتروي لهم تاريخ المدينة ورحلتها مع الألم والخلاص، وكأنها لم تمت بالمعنى النهائي للكلمة، بل انتقلت إلى شكل آخر من الحضور. وهنا تقترب الرواية من التصور الجلجامشي للخلود الرمزي القائم على الأثر والذاكرة لا على الجسد.
وتزداد أهمية هذا الاستدعاء الأسطوري إذا انتبهنا إلى أن الكاتبة اختارت شخصيتين تنتميان إلى فضاءين حضاريين مختلفين: جلجامش القادم من الشرق القديم، وبروميثيوس القادم من الميثولوجيا الإغريقية. وكأن الرواية تريد أن تؤكد أن معركة الإنسان مع الشر ليست معركة محلية أو قومية، وإنما هي معركة إنسانية شاملة عرفتها كل الحضارات بأشكال مختلفة.
من هنا يمكن القول إن «نواعير الشر» لا تكتفي بسرد حكاية مدينة مهمشة تحاول النهوض من الرماد، بل تعيد إدراج هذه الحكاية ضمن السردية الإنسانية الكبرى التي رافقت الإنسان منذ أقدم الأساطير: كيف نواجه الشر؟ كيف نحافظ على إنسانيتنا؟ كيف ننتصر على الخوف؟ وكيف نهزم الموت دون أن نهزمه فعليًا؟
إن استدعاء بروميثيوس وجلجامش يكشف أن الرواية تتجاوز حدود الواقعي والاجتماعي نحو أفق رمزي وفلسفي أرحب، حيث تتحول مدينة الرماد إلى استعارة للعالم، وتتحول رحلة شخصياتها إلى صيغة معاصرة من الرحلة الإنسانية الأزلية في البحث عن المعنى والخلاص.
وبذلك تصبح الأسطورة في «نواعير الشر» أكثر من مجرد مرجع ثقافي؛ إنها أفق تأويلي يساعد القارئ على إدراك العمق الفكري للرواية، ويمنح أحداثها المحلية دلالة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire