samedi 18 avril 2026

فوضى السكون

يجلسُ المرءُ والهدوءُ يكسوه كغطاءٍ صوفيٍّ قديم، وجهٌ مستقرّ، ويدانِ ملقيتانِ في حجرِ الطمأنينة.. لا شيء يوحي بالخطر. لكن، خلف هذا الجدار من الجلد والعظم، ثمّة قيامةٌ تقوم. عاصفةٌ ضارية تسكن الرأس، تجتاحُ حقول الذاكرة، وتقتلعُ أشجار اليقين من جذورها. رعدٌ من الأسئلة لا ينقطع، وبرقٌ من القلق يضيء الزوايا المعتمة في الروح. كلُّ شيءٍ هناك يضجُّ، يصرخُ، ويتكسّر. والمعجزةُ الموجعة.. أن هذا الزلزال الذي يهزُّ أركان الوجود، لا يملكُ القدرة على هزّ شعرةٍ واحدةٍ على الجبين، ولا يحركُ غصناً من أغصان الملامح. إنه "الصمتُ الصاخب"؛ تلك اللحظة التي تبتلع فيها الغصةُ مجرةً كاملة، وتكتفي أنت بهزّ رأسك لمن يسألك: "ما بك؟"، فتقول ببرودٍ لا يشبهك: "لا شيء.. أنا بخير". بينما في الحقيقة، أنت لست بخير، أنت مجردُ عاصفةٍ استأذنت العالم في أن تموت بصمت، دون أن تزعج هدوء المارة. "بين التصدّع والثبات" لكنّ هذا الإحكام لا يدوم للأبد؛ فلكل عاصفةٍ نقطةُ ذروة، وللصمتِ جدارٌ قد ينهار عند أول همسةٍ لا تحتملها الروح. لحظة الانفجار ليست بالضرورة صراخاً، بل هي ذلك الانهيار الصغير الذي يبدأ من العينين؛ حين تعجز الملامح عن حملِ ثقل العاصفة، فيرتجفُ الغصنُ أخيراً، وتسقطُ الثمارُ المرّةُ التي نضجت في ليل الكتمان. هو الانفجار الذي يعيد ترتيب الفوضى، حين يقرر الصخبُ أن يخرج من قوقعة الرأس ليملأ المدى، معلناً أن الصبر قد نفد، وأن البركان لم يعد يتسع لمزيدٍ من الرماد. وبعد أن تهدأ الثورة، تتجلى جمالية الصمود في أبهى صورها. الصمود ليس في عدم الاهتزاز، بل في القدرة على البقاء واقفاً بعد أن تعبر الريح. هي تلك اللحظة التي يرمم فيها المرءُ شقوق نفسه، ويمسحُ غبار المعركة عن كتفيه، ليعود غصناً ليناً، أخضرَ، وأكثر قوة. الجمال هنا يكمن في "الندوب غير المرئية" التي تركتها العاصفة؛ فهي الأوسمة التي تجعل من هذا السكون نصراً لا انكساراً، ومن ذلك الهدوء حكمةً لا مجرد غيابٍ للصوت. "أنا بخير؛ قالها الغصنُ الواقف، بينما كانت الجذورُ تشيّعُ آخِرَ غاباتِ الهدوء." "ومع كل سكونٍ جديد، يبقى السؤالُ معلقاً كغيمةٍ حائرة: هل انتهت العاصفةُ حقاً.. أم أنها تجمّعُ أنفاسها في صمتٍ أصخب؟"

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire