samedi 11 avril 2026
صرخة الوادي
أحاول كبح جماحي، لكنني لا أستطيع مقاومة تفقد هاتفي مجدداً. إنه الصيف، وقد مضت أيام دون أن أرى أحداً. أعجبتُ بمئات المنشورات، فهل يكترث أحد حقاً لكوني حية أم ميتة؟
لا شيء. وضعتُ الهاتف جانباً، فإذا به يصدر رنيناً، وكأنه يكافئني على استسلامي لليأس. كانت رسالة من "سحر"، التي لم أرها منذ أسابيع.
— "هل سمعتِ بما حدث؟"
— "لا، ماذا هناك؟"
— "قُتل شاب مطارداً من قِبل الشرطة.. غرق في الوادي خلف ملعب رادس. الجميع يتوجهون الآن إلى قلب العاصمة للاحتجاج. هل تودين القدوم؟ سنمرّ لاصطحابكِ."
فكرتُ للحظة، وإبهامي معلق فوق الشاشة. لا أحب الحشود، ولا أميل للذهاب إلى صخب وسط المدينة، وفوق هذا كله، سيقول والدي "لا" حتماً.
— "من أنتم؟"
— "أنا ونزار.. لقد ارتبطنا رسمياً الآن."
أرفقت سحر رسالتها بوجوه ضاحكة خجولة.
— "يا للإثارة! مبارك لكما. حسناً، لا أعلم، دعيني أفكر وأردُّ عليكِ."
— "حسناً، لكن أسرعي، فنحن سننطلق الآن."
بحثتُ عن والدي فوجدتُه جالساً في الشرفة يقرأ. قال وهو يرفع نظره عن الجريدة: "يجب أن أستمتع ببعض أشعة الشمس."
قلتُ بلهجة حاولتُ جعلها عادية: "أجل.. بمناسبة الحديث عن ذلك، استدعتني سحر للذهاب إلى سيدي بوسعيد.. لتناول 'البامبالوني' والاستمتاع بالبحر."
دهشتُ مما خرج من فمي. كنتُ أنوي قول الحقيقة حتى لحظة الكذب.
عبس والدي وهز رأسه: "ما قصة هذا العجين المقلي؟ إنه عسير الهضم ومبالغ في ثمنه. من يريد الوقوف في طابور لأجل فطيرة مغطاة بالسكر؟ لا أفهم هذا المنطق."
ضحكتُ، لكن صدري انقبض. بدا التناقض بين تناول فطيرة "البامبالوني" والاحتجاج على مقتل شاب غرقاً في الوادي تراجيدياً بشكل صارخ، وفجأة تملكتني رغبة عارمة في الذهاب.
قلتُ محاولةً تخفيف الأجواء: "الأمر لا يتعلق بالفطيرة بحد ذاتها، بل بالرحلة مع الأصدقاء."
فرقع والدي أصابعه قائلاً: "حسناً، اذهبي. لكن اذهبي وعودي مباشرة، فالأجواء في الخارج تبدو متوترة وغير مستقرة هذه الأيام."
قلتُ بوقار زائف: "بالتأكيد."
حين توقفت السيارة، حيت سحر والدي من النافذة. كانت قد صبغت خصلات من شعرها باللون الأرجواني، وبدت مختلفة تماماً عن سحر التي عرفتُها في المدرسة بضفيرتها الشقراء. ركبتُ في المقعد الخلفي، وهناك لاحظتُ وجود شاب لم أره من قبل.
قال بصوت هادئ: "مرحباً، أنا آدم."
كان لآدم شعر متموج وعينان بنيتان تشعان ذكاءً. كان يرتدي قميصاً أسود بسيطاً، وبدت عليه ملامح الجدية.
سألتُ بفضول: "ما الذي حدث بالضبط؟ لم يتسنَّ لي متابعة الأخبار."
التفتت الوجوه الثلاثة نحوي بملامح واجمة.
تابعتُ: "أقصد.. عرفتُ أن شاباً مات غرقاً في وادي رادس أثناء مطاردة أمنية.. من هو؟"
ردّ آدم بصوت مخنوق: "عامر.. عامر عبداللاوي. كان في الملعب يشجع فريقه، طاردوه إلى المحيط الخارجي، وحاصروه عند حافة الوادي. يقول شهود العيان إنه صرخ فيهم 'أنا لا أجيد السباحة'، فكان الرد القاسي: 'تعلم السباحة إذاً'. ثم غاب في الماء ولم يخرج إلا جثة هامدة."
شعرتُ بغثيان يسري في جسدي. حزنٌ ممزوج بغضب استحال في صدري إلى قوة دافعة.
ركن نزار السيارة في شارع جانبي بعيداً عن شارع الحبيب بورقيبة. كانت الحشود تتدفق كالسيل. لم أرَ في حياتي مظاهرة بهذا الحجم. كان هناك شباب بملابس رياضية، ونساء بجباه عالبة، ورجال يحملون لافتات كُتب عليها بخطوط عريضة:
"تعلم عوم!"
"العدل لعامر عبداللاوي"
"قتله الوادي أم قتله الصمت؟"
ارتقى شاب مفتول العضلات منصة حجرية، وكان يرتدي قميصاً كتب عليه "لا أستطيع التنفس". صرخ عبر مكبر الصوت بصوت مزق سكون الحيرة:
"عامر لم يكن مجرماً! كان شاباً يحلم بحياة كريمة. قتلوه مرتين؛ مرة حين دفعوه للماء، ومرة حين سخروا من عجزه عن النجاة. نحن هنا لنقول إن دماءنا ليست ماءً، وإننا لن نعتاد الظلم بعد اليوم!"
اندمج صوتي مع آلاف الأصوات وهي تهتف بكلمة واحدة هزت أركان الشارع: "تعلم عوم! تعلم عوم!". في تلك اللحظة، تلاشت شخصيتي المنعزلة، وذبتُ في جسد جماعي واحد يطالب بالحق في الحياة.
فجأة، حدث تحول في الحشد. توقف التقدم السلس، وبدأت الصفوف الأمامية تتراجع بوعر. ارتفع هدير مروحية في السماء، وتبعتها أصوات انفجارات مكتومة.
أمسك آدم بكتف شاب يركض في الاتجاه المعاكس وسأله: "ماذا يحدث؟"
أجاب الشاب وهو يلهث والذعر في عينيه: "إنهم يحاصروننا! يغلقون المداخل ويطلقون الغاز بكثافة! ائربوا بأنفسكم!"
لم يمهلنا الوقت طويلاً؛ فقد انطلقت قنبلة غاز مسيلة للدموع وسقطت بالقرب منا. انبعث دخان أزرق خانق، شعرتُ وكأن خناجر تمزق حنجرتي وعينيّ.
"يجب أن نخرج من هنا!" صرخ آدم وهو يمسك بذراعي بقوة.
بينما كنا نركض، رأيتُ امرأة تحمل طفلاً صغيراً غطت الدماء وجهه. تعثرت المرأة وجلست على الرصيف وهي تصرخ رعباً. انحنيتُ نحوها وأخرجتُ علبة مناديل ورقية من جيبي وقدمتُها لها.
قالت وهي تبكي بحرقة: "أصابته عبوة غاز في رأسه.. كانت مسيرة سلمية، لماذا فعلوا هذا؟"
حمل آدم الطفل وقادنا نحو مركز طبي قريب. كان الصمت قد خيم علينا جميعاً إلا من أنين الصبي.
حين وصلنا إلى محطة القطار للعودة، كان آدم يقف صامتاً والدماء قد لوثت قميصه الأسود. نظرتُ إليه وقلتُ بأسى: "لم أكن أدرك الحقيقة يا آدم. كنتُ أظن أن القانون يحمي الجميع، لكنني رأيت اليوم كيف يُعامل الناس كأعداء."
ابتسم آدم بمرارة، ولم يرد.
في ساعة متأخرة من تلك الليلة، كنتُ أشاهد مقاطع الفيديو على هاتفي. رأيتُ المدينة وهي تشتعل غضباً، ورأيتُ ذلك الشاب الذي خطب فينا وهو يحاول تهدئة المحتجين في شارع تغطيه الأنقاض، وهو يصيح: "توقفوا! يجب أن نبني لا أن نحطم!"
لكن في تلك الليلة، لم يكن أحد يصغي. كان صوت ارتطام جسد "عامر" بمياه الوادي لا يزال يتردد صداه في وجدان كل من كان هناك، يذكرنا بأن العالم، أحياناً، لا يرحم من لا يجيد السباحة في تياره الجارف.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire