dimanche 26 avril 2026

غياب سياسات عمارة مستدامة

ليس فقط غياب القوانين التي تضمن إعادة التشجير، بل غياب سياسات عمارة مستدامة في دولنا أصبت كبد الحقيقة. المشكلة في دولنا ليست "تقنية" بقدر ما هي "سيادية وتشريعية". نحن نمتلك الموارد (شمس، تربة، حجر، عقول)، لكننا نفتقر إلى "المنظومة" التي تجعل الاستدامة خياراً طبيعياً وليس ترفاً. غياب سياسات العمارة المستدامة في المنطقة العربية يؤدي إلى عدة فجوات كبرى: 1. فجوة "أكواد البناء" (Building Codes) معظم قوانين البناء في دولنا مستنسخة من نماذج غربية قديمة أو تركز فقط على السلامة الإنشائية، وتتجاهل: العزل الإلزامي: في منطقة تصل حرارتها إلى 50 درجة مئوية، لا تزال الكثير من الدول تسمح ببناء جدران خرسانية رقيقة تستهلك طاقة تبريد هائلة. إعادة تدوير المياه: غياب القوانين التي تُلزم الأبراج والمجمعات السكنية بتركيب أنظمة معالجة المياه الرمادية. 2. الدعم المشوه للطاقة لسنوات طويلة، كان دعم أسعار الكهرباء والوقود يجعل المواطن والمستثمر لا يشعر بتكلفة الهدر. المنطق الاقتصادي الغائب: لماذا استثمر في "خشب مهندس" أو "طوب حراري" غالي الثمن، بينما يمكنني بناء "صندوق خرساني" رخيص وتشغيل المكيف طوال اليوم بكهرباء مدعومة؟ (هذا التوجه بدأ يتغير الآن مع رفع الدعم في عدة دول). 3. "عقدة الخرسانة" والوجاهة الاجتماعية هناك غياب لسياسات "التوعية المعمارية". تحول الخرسانة إلى رمز لـ "التحضر" والتربة/الطين إلى رمز لـ "الفقر" هو نتاج فشل السياسات التعليمية والإعلامية في إبراز قيمة العمارة المحلية (مثل أعمال المعماري المصري حسن فتحي). 4. غياب المحفزات الضريبية والتمويلية في الدول التي نجحت في هذا المجال، تضع الحكومات سياسات تشجيعية مثل: القروض الخضراء: فوائد أقل لمن يبني بيتاً مستداماً. الإعفاءات الضريبية: للمصانع التي تنتج مواد بناء محلية ومنخفضة الكربون. تسريع التراخيص: للمشاريع التي تحصل على شهادات استدامة (مثل "سعفات" في دبي أو "مستدام" في السعودية). 5. التبعية لاستيراد المواد غياب السياسات الصناعية التي تدعم إنتاج مواد مستدامة محلياً يجعل المعماري "مضطراً" لاستخدام الإسمنت والحديد لأنهما الأكثر توفراً وأماناً من الناحية القانونية واللوجستية. النتيجة: نحن نبني مدناً "غريبة" عن بيئتها؛ مدن زجاجية في وسط الصحراء تحتاج إلى "أجهزة إنعاش" (مكيفات) لتبقى صالحة للحياة. هل ترى بصيص أمل؟ بدأنا نرى مؤخراً مشاريع عملاقة (مثل "ذا لاين" في نيوم، أو مدينة مصدر في أبوظبي) تحاول كسر هذا النمط ووضع معايير جديدة. لكن السؤال يبقى: متى ستنتقل هذه السياسات من "المشاريع الكبرى" إلى "بيت المواطن العادي"؟ هل تعتقد أن التغيير يجب أن يبدأ بفرض قوانين صارمة من الدولة، أم برفع وعي الناس ليطلبوا هم عمارة تناسب بيئتهم؟ // الاثنان معا اتفاق تام. المعادلة لا تكتمل إلا بجناحين: "قوة القانون" و**"وعي المجتمع"**. فإذا وُجد القانون وغاب الوعي، سيبحث الناس عن ثغرات للتحايل عليه؛ وإذا وُجد الوعي وغاب القانون، ستظل المبادرات الفردية مكلفة وغير محمية تشريعياً. إليك كيف يمكن أن يعمل "الاثنان معاً" بشكل متكامل: 1. المثلث الذهبي للتغيير لكي تتحول العمارة المستدامة من "فكرة نُخبوية" إلى "واقع معيشي"، يجب أن تتقاطع ثلاث قوى: الدولة (التشريع): فرض مواصفات قياسية (مثلاً: منع بناء جدران بدون عزل حراري حقيقي، أو إلزامية توفير مساحات خضراء تمتص الحرارة). السوق (الاستثمار): توفير مواد البناء المستدامة بأسعار تنافسية. (هذا لا يحدث إلا إذا دعمت الدولة المصانع المحلية التي تنتج الخشب المهندس أو الطوب المضغوط). المواطن (الوعي): عندما يدرك المواطن أن البيت المستدام ليس "رجوعاً للخلف"، بل هو بيت أوفر في فاتورة الكهرباء، أبرد صيفاً، وأكثر صحة لعائلته. 2. كيف يُحفز القانونُ الوعيَ؟ أحياناً يكون القانون هو "المعلم" الأول. على سبيل المثال: شهادة كفاءة الطاقة: عندما تُلزم الدولة كل صاحب عقار بوضع "ملصق كفاءة" (مثل الذي نراه على المكيفات) عند بيع أو تأجير البيت، سيبدأ المشتري بالبحث عن البيوت المستدامة لأنها ستحمي جيبه مستقبلاً. تغيير المناهج التعليمية: سياسة الدولة في تعليم المهندسين الصغار أن "الخرسانة والزجاج" ليست الحل الوحيد للجمال. 3. دور "القدوة" في كسر الحاجز النفسي الوعي يحتاج إلى نماذج حية. غياب السياسات حالياً يجعل المواطن يخاف من التجربة. المباني الحكومية: تخيل لو أن كل المدارس والوزارات الجديدة بُنيت بمواد محلية مستدامة (خشب، حجر، تربة). هذا سيعطي "شرعية اجتماعية" لهذه المواد، وسيدرك الناس أنها قوية وعصرية وليست للفقراء فقط. 4. الفائدة الاقتصادية: اللغة التي يفهمها الجميع أقوى أداة لرفع الوعي هي "لغة الأرقام". سياسات العمارة المستدامة يجب أن توضح للمواطن: أن بناء بيت مستدام قد يكلف 10% أكثر في البداية، ولكنه يوفر 50% من مصاريف التشغيل (تكييف وصيانة) على المدى الطويل. التحدي القادم نحن نعيش الآن في منطقة تمر بتحولات ديموغرافية وعمرانية هائلة. الاستمرار في العمارة "المستوردة" (الصناديق الخرسانية) هو انتحار اقتصادي وبيئي في ظل الارتفاع العالمي لدرجات الحرارة. كلمة أخيرة: العمارة المستدامة ليست "بناءً للطبيعة" فقط، هي في الحقيقة "بناء للإنسان" لكي يستطيع البقاء في بيئة تزداد قسوة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire