jeudi 16 avril 2026
قصة قيثارة: من الورشة إلى الصمت
داخل الورشة الصغيرة، يسري دبيب طاقة هادئة ومفعمة بالتأمل. يداه العجوزتان اللتان غزتهما الكدحات تحومان فوق الخشب، تبحثان عن الخيار الأمثل، كما فعلتا مرات لا تُحصى. هل يختار خشب الورد؟ أم ربما القيقب؟ تنزلق أطراف أصابعه فوق خشب "الماهوجني"، وكأن الخشب ينطق. نعم، هذا هو المنشود.
قياس، ورسم، وقص، وصنفرة. كل ذلك يتم بعناية فائقة ولطيفة. يبدأ الماهوجني باتخاذ شكل مألوف، بمنحنيات ناعمة وتصميم مثالي للقبضة. تلتحم القطع المنفردة لتصبح جسداً واحداً، ولم يعد ينقصها الآن سوى "صوتها".
عبر الجسر، ثم على طول العنق المرصع بالفواصل المعدنية، تُشد الأوتار حول مفاتيح الضبط. تداعب تلك اليد العجوز الأوتار بنقرة واحدة، لتتحرر القيثارة أخيراً وتبدأ بالغناء.
لكن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد. توضع القيثارة في حقيبتها الصلبة؛ ظلام آمن بانتظار أن تجد بيتها الأبدي.
اللقاء الأول
قبل أن يغمر الضوء المكان، تستيقظ القيثارة على صوت طقطقة أقفال الحقيبة. في البداية تبدو كظلال مبهمة، لكن سرعان ما يتحول المشهد إلى وجه صبي منمش يشع بشراً.
يصيح الصبي مذهولاً: "يا إلهي، إنها جميلة!". يلمس الأوتار بتردد، ثم يمرر يده لأسفل ليخلق اتصالاً مرتعشاً. تلتف أصابعه الطويلة والنحيفة حول خشب الماهوجني الناعم، ويرفع الآلة ليضعها على حجره.
يسود المكان همس من الآخرين المتواجدين في الغرفة، الجميع ينتظر. الصبي، بروح متقدة، يداعب الأوتار بإبهامه، وتتسع ابتسامته. يدير مفتاحاً، ثم آخر، ينقر مرة أخرى، ويجري تعديلاً أخيراً. إنه يشعر بها، وهي تشعر به. لقد أصبحا مستعدين.
يغنيان معاً، فهذا هو الغرض الذي صُنعت لأجله القيثارة. يضحك الناس، يصفقون، وفي تلك اللحظة، يبدو كل شيء على ما يرام. لكن اللحظة قصيرة، وهناك المزيد بانتظارهم. تعود القيثارة إلى مستقرها لترتاح قليلاً.
سنوات النمو
يستمر الصبي، الذي أصبح مراهقاً الآن، في ممارسته بانتظام. تغني القيثارة بجمال يزداد يوماً بعد يوم، تردد صدى المذياع وتتدفق أنغامها مع الوقت. ومع انعكاس الشمس على حوافها الناعمة، تبدو القيثارة حية، تهتز مع كل ضربة وتر.
يتوقف العزف حين تدخل والدة الصبي الغرفة متبخترة، والابتسامة تعلو وجهها بينما تخفي يديها خلف ظهرها. تقول: "أحضرت لك هدية صغيرة"، وتكشف عن شيء لامع.
يجيب الصبي: "أوه، رائع!". يتبع والدته التي تضع القطعة على الأرض؛ إنه "حامل قيثارة". بسيط، لكن بطانته المخملية ستضمن الحفاظ على كل حافة ناعمة في القيثارة. كان الصبي حريصاً جداً، يعيدها إلى حقيبتها بعد كل استخدام، وفاءً بالوعد الذي قطعه بالاعتناء بها للأبد.
تقول الأم وهي تضع يديها على خصريها بابتسامة عريضة: "الآن يمكنك عرضها بفخر". تحتضن ابنها بعد أن يضع القيثارة في بيتها الجديد. لم يعد الظلام مضطراً لمرافقة الصمت.
تعقيدات الحياة
أصبح الصبي شاباً، وقلّ وقته المخصص لجعل القيثارة تدندن، لكنه حين يفعل، تبث الحياة والبساطة في عالم يزداد تعقيداً.
يجلس خلف مكتبه، يحدق في شاشته المتوهجة، واللون يبهت من وجهه، لكنه يشرق حين ترافقه تلك الشابة. يتحدثان، يضحكان، يتبادلان القبل، وأحياناً تطلب منه أن يعزف. في تلك اللحظات الحميمة، تمنح القيثارة ما لا يستطيع أي شيء آخر منحه. لا تعود القيثارة دائماً إلى حاملها، ولا بأس في ذلك.
نغمة عرضية تصدر حين تقع الملابس فوقها؛ سحر القيثارة ونيرانها قد خمدت على الأرجح. لكن لا بأس.
الشاب، الذي بدأ الشعر ينبت في وجهه، ينظر باتجاهها. القيثارة مفعمة بالأمل، لكنه مشغول بأمور أخرى. كتب سميكة على الأرض، ملفات مفتوحة، وصفحات ملطخة ببقع القهوة المستديرة. وحين يخف ضغط العمل، تملأ شاشة صغيرة الفراغ، لتجلب الابتسامة التي كان العزف يوماً هو المسؤول عنها.
يسمع بوق سيارة ينادي عليه من الخارج، فتبقى القيثارة وحيدة مرة أخرى. صمت. الغبار المتراكم يمنحها دفئاً داخل الغرفة الفارغة. حين يعود، تكون الشابة معه، لكنها لم تعد تطلب منه العزف. لقد تحولت العلاقة إلى روتين لم يعد يتطلب السحر.
الوداع
تنظر الأم بفخر إلى ابنها بعباءة التخرج. قبعة مربعة على رأسه، وتدلى منها الوشاح جانباً، جالباً الضحك والبهجة؛ تلك البهجة التي كانت القيثارة تصنعها يوماً. يمشي الشاب نحو النافذة، يتكأ على الجدار ويقول: "سأفتقد هذا المكان".
رحلة جديدة؟ ربما فرصة للغناء والدندنة من جديد في مكان غريب بصدى مختلف. يربت على رأس القيثارة، وكأنها تتوق للمزيد، لكن الشاب وأمه يخرجان من الباب.
ساد الغرفة صمت طويل، قطعته الأم. تعقد ذراعيها أمام صدرها وتتنهد؛ لقد أصبح عشها فارغاً. تنزع الملصقات، تحزم الكتب، وتغير شراشف السرير.
"ها أنتِ هنا"، تقول وهي داخل الخزانة، لتخرج ومعها "البيت" الذي نُسي طويلاً. توضع الحقيبة السوداء على السرير، وتنفتح أقفالها بصرير حاد وقاسٍ. تنظر الأم إلى القيثارة وتهمس: "يا إلهي، لقد تراكم عليك الغبار، أليس كذلك؟".
ترفعها وتضعها بلطف في مخدعها المخملي القديم. تنظر إليها للحظة، ترتسم ابتسامة على وجهها قبل أن تغلق الغطاء. وفي قلب الظلام، تُطبق الأقفال من جديد.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire