mercredi 15 avril 2026

صمتٌ في ممرِّ الذاكرة

("التابوت المخملي" -"تداعياتُ الخشب" - "خريفُ الأوتار" - قيامةُ الأبنوس" - الدائرة - إغلاق الدائرة- أوتار الذاكرة- بين الحقيبة والحامل- رفيقة الصبا- وداع مخملي- قيثارة في العش المهجور) في جوف الورشة الصغيرة، يدبُّ طنينٌ حيّ، طاقةٌ ساكنة لكنها غارقة في التأمل. يداه اللتان غدت غضونُهما أخاديدَ من أثر الكدح، تحلقان فوق الخشب كعرافٍ يقرأ الغيب، تبحثان عن "الاختيار" الحق، كما كما فعلتا مرارًا وتكرارًا. أيكون خشب الأرو؟ أم القيقب؟ أم الساج؟ تنزلق أنامله فوق الأبنوس، فيهمس الخشب مجيباً. نعم.. هذا هو المستقر. قياسٌ، فرسمٌ، فبترٌ، فصقل. كلُّ طقسٍ يُقام بعناية فائقة ودقة متناهية، كأنها صلاةٌ بصرية. يبدأ الأبنوس بالتحول، يستحيلُ إلى قوامٍ مألوف، منحنياتٍ لدنةٍ تغوي الكفَّ بالاستقرار في حضنها. تلتحم القطعُ المتناثرة لتغدو جسداً واحداً، لا ينقصه الآن سوى.. الصوت. عبر الجسر، ثم على طول رقبة القيثارة، تُشدّ الأوتار حول مفاتيح الضبط كأعصابٍ تترقب الانعتاق. نقرةٌ واحدة من تلك الأيدي العتيقة، وإذا بالقيثارة يفكُّ قيدَ صمته، ويشرعُ في الغناء. لكنَّ الرحلة الكبرى لم تحن بعد. يتودَعُ في جوف حقيبتها الصلبة، عتمةٌ آمنة حتى تجد موطنها الأبدي. وقبل أن يفيض الضوءُ في الأركان، تستيقظ القيثارة على صليل الأقفال وهي تنفك. في البدء، ترى خيالاً باهتاً، لا يلبث أن يستحيل وجهاً يفيضُ بشراً لغلامٍ نثَّ النمشُ فوق وجنتيه بذوراً من ذهب. "يا إلهي!" يشهق الصبي، "إنها فاتنة!". وبترددٍ مشوبٍ بالهيبة، يلمس الأوتار، ينزلق كفه عليها فيحدث ذلك التماسُّ الارتعاشي الأول. أصابعه الطويلة النحيلة تلتفُّ حول الأبنوس الصقيل، يرفعها، يوسّدها حِجره. في الغرفة ثمة همساتٌ خفيضة من الحاضرين، ينتظرون. الصبي، وروحه تتوهج كقنديل، يمرر إبهامه فوق الأوتار، فتتسع ابتسامته وتفيض. لفةٌ لمفتاح، ثم أخرى، نقرة وتر، فتعديل أخير. لقد مسَّه الوحي. لقد شعر به الخشب. كلاهما الآن على أهبة التجلي. معاً ينسجان اللحن؛ فلهذا خُلقت هذه القيثارة. يضحك الناس، يصفقون، وفي تلك اللحظة الخاطفة، يبدو العالمُ في تمام استقامته. لكنَّ اللحظةَ قصيرة، والمزيد قادم؛ فتعود القيثارة إلى مرقدها مؤقتاً. يشتدُّ عودُ الصبي، يغدو مراهقاً، وتزداد صلاتُه بالتدريب ثباتاً. يزداد صوت القيثارة جمالًا يومًا بعد يوم، مرددًا صدى صدى المذياع ، فتتدفق النغمات مع الوقت كأنها نهرٌ من ضوء. ومع انعكاس الشمس على حوافها الصقيلة، تبدو القيثارة كائناً حياً، يرتعش مع كل نبضة وتر. يتوقف العزفُ حين تدخل الأم متهاديةً مبتسمة ويداها خلف ظهرها. تقول وهي تكشف عن شيءٍ لامع: "أحضرتُ لك هديةً متواضعة". يجيب الفتى: "رائع!". يتبع أمه التي وضعت القطعة على الأرض؛ حاملٌ للقيثارة. بسيطٌ في تصميمه، لكنَّ بطانة المخمل عليه تضمن للقيتارة ألا يُخدش كبرياءُ ملمسها. كان الصبي شديد الحرص، يرجع آلتَه إلى حقيبتها بعد كل عزف، وفاءً بعهدِ رعايةٍ قطعه على نفسه للأبد. تقول الأم، وهي تضع يديها على خصرها والرضا يرتسم على ثغرها: "الآن يمكنك أن تعرضها بفخر". يستسلم الصبي لعناق أمه بعدما وضع القيثارة في مقامها الجديد. لم يعد للصمت أن يخيم عليه الظلام. يغدو الصبي شاباً، وتضيقُ الساعاتُ عن مداعبة القيثارة، لكنه حين يفعل، يبثُّ الحياةَ والبساطة في رئة هذا عالم يزداد تعقيداً. عند مكتبه، يحدق الشاب في شاشةٍ متوهجة، ينسلُّ اللونُ من وجهه المتعب، لكنه يشرق فجأة حين تؤنسه تلك الشابة. يتهامسان، يضحكان، يتبادلان القبل، وأحياناً تطلب منه أن يعزف. في تلك اللحظات الحميمية، تضفي القيتارة سحراً لا مثيل له. لا تعود القيتارة دائماً إلى محملها، ولا بأس في ذلك. تصدح نغمة عابرة من أثر ثوبٍ يسقط عليها؛ سحرُ القيتارة، ةنارها المتأججة، يبدو أنها بدأت تخبو. لكنَّ ذلك أيضاً لا بأس به. الشاب، وقد بدأ الشعرُ يغزو وجهه، يلتفتُ شطره أحياناً؛ القيتارة ما زالت تعلقُ عليه آمالاً، لكنَّ شواغلَ أخرى سلبته لُبَّه. كتبٌ ضخمة تفترش الأرض، ملفاتٌ مشرعة، صفحاتُها ملطخة ببقع قهوة دائرية. وحين يهفتُ ضجيجُ العمل، تملأ فراغَه شاشةٌ صغيرة، لتجلب الابتسامات التي كانت يوماً حكراً على أوتار القيتارة. يسمع صوت بوق سيارة في الخارج، يناديه ، فتبقى القيتارُة وحيدة مرة أخرى. سكون. الغبارُ المتراكم يمنح الغرفة الفارغة دفئاً حزيناً. وحين يعود الشاب، تكون الشابة معه. لم تعد تطلب منه أن يعزف لها.روتينٌ لم يعد يتطلب سحرًا. الأمُّ تنظرُ بفخرٍ إلى ابنها بعباءة التخرج. القبعة المربعة فوق رأسه، والشرابةُ المتدلية تجلب الضحك والحبور. هذا تماماً ما كان تفعله القيتارة يوماً. يمشي الشاب نحو النافذة، يسندُ ظهره إلى الجدار. يقول بصوتٍ غارقٍ في الحنين: "سأفتقد هذا المكان". رحلةٌ جديدة؟ ربما فرصة ليغني ويترنم من جديد، في فضاءاتٍ غريبة الصدى. يربتُ الشاب على رأس القيتار، فيشرئب الخشبُ طمعاً في المزيد، لكنَّ الشاب وأمه يغادران، ويغلقان الباب. سكونٌ طويلٌ يلفُّ الغرفة، تقطعه الأم. تضمُّ ذراعيها إلى صدرها، تتنهد؛ لقد فرغ العشُّ. تزيلُ الملصقات، تحزمُ الكتب، وتغيرُ ملاءات السرير. "ها أنت ذا"، تقولها من داخل الخزانة، لتخرج ومعها "البيت" الذي طواه النسيان. تُوضعُ الحقيبةُ السوداء على السرير، تنفتح أقفالُها بنقرةٍ حادة، تنذرُ بالفراق. تنظرُ إلى القيتارة: "يا إلهي، لقد علاك الغبار، أليس كذلك؟". ترفَعُ الآلةُ وتسجيها برفقٍ في مهدها المخملي القديم. تتأملها الأمُّ للحظة، ترتسمُ على وجهها ابتسامةٌ واهنة قبل أن تغلق الغطاء. وفي قلب العتمة، تُطبقُ الأقفالُ بصريرٍ حاسم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire