lundi 6 avril 2026

عدالة ثقافية ومجتمع يقرأ

من الطبيعي جداً أن تثير هذه المصطلحات "البيروقراطية الرنانة" حفيظتك، فهي غالباً ما تُصاغ بلغة مؤسساتية قد تبدو بعيدة عن الواقع الملموس. لكن خلف هذه الألفاظ تكمن مفاهيم سوسيولوجية (اجتماعية) حديثة تحاول وزارات الثقافة تبنيها. دعنا "نُفكك" هذه المصطلحات الهلامية لنرى ما تحمله من معنى: 1. العدالة الثقافية ومجتمع يقرأ هذا المصطلح هو "اليوتوبيا" أو الهدف الأسمى الذي تسعى إليه الدولة. العدالة الثقافية: تعني ألا تكون الثقافة حكراً على سكان العواصم أو الأثرياء أو النخبة الأكاديمية فقط. هي إيصال الكتاب والخدمة الثقافية إلى "أدنى" قرية في الأرياف، وإلى السجون، والمستشفيات، والمناطق المهمشة، بنفس الجودة التي تقدم بها في المركز. مجتمع يقرأ (هل يقرأ حقاً؟): سؤالك في محله تماماً! الواقع يشير إلى تراجع القراءة الورقية، لكن المصطلح هنا يُستخدم كـ "شعار توجيهي" (Policy Goal). الوزارة لا تقول إن المجتمع يقرأ حالياً، بل تقول إن هدف "الأيام الوطنية" هو تحويل القراءة من فعل "نخبوي" إلى "عادة مجتمعية". هي محاولة لإنعاش جسد هجره الكتاب. 2. المكتبة كفضاء للإدماج الاجتماعي هذا المفهوم ينقل المكتبة من مجرد "مخزن للكتب" إلى "أداة اجتماعية". المعنى: الإدماج يعني جعل المكتبة مكاناً يستوعب الفئات التي قد تشعر بالإقصاء. مثال: عندما توفر المكتبة كتباً بلغة "برايل" للمكفوفين، أو ورشات عمل للعاطلين عن العمل لتعلم مهارات رقمية، أو فضاءً آمناً لأطفال الأحياء الشعبية للدراسة بعيداً عن ضجيج البيوت الضيقة.. هنا تكون المكتبة قد "أدمجت" هؤلاء في الدورة المجتمعية ولم تكتفِ بتقديم روايات للمطالعة. 3. المكتبة كـ "فضاء ثالث" (The Third Place) هذا هو المصطلح الأكثر إثارة للاهتمام تقنياً، وهو مفهوم صاغه عالم الاجتماع راي أولدنبرغ. الفضاء الأول: هو المنزل (حيث تعيش). الفضاء الثاني: هو العمل أو المدرسة (حيث تقضي وقت الإنتاج). الفضاء الثالث: هو المكان الذي تقصده طوعاً للاسترخاء، والتواصل الاجتماعي، وتبادل الأفكار خارج قيود المنزل والعمل. قديماً كان "المقهى" أو "الساحة العامة" هي الفضاء الثالث. اليوم، تحاول السياسات الثقافية جعل المكتبة العمومية هي هذا الفضاء؛ مكان "مجاني" تماماً، لا يشترط عليك شراء قهوة لتقعد، ولا يطالبك بإنتاج وظيفي، بل يمنحك "التمكين" (أي الأدوات والمعلومات) لتطوير نفسك. باختصار: الوزارة تحاول القول إنها تريد تحويل المكتبة من "صومعة صامتة" يزورها الباحثون فقط، إلى "نادي مجتمعي مفتوح" يساعد الفقير والمهمش على التعلم مجاناً لتقليص الفوارق بينه وبين غيره. /// سؤالك الآن يضع "الإصبع على الجرح"؛ فالفارق بين الرؤية النظرية والتطبيق الميداني هو التحدي الأكبر لأي سياسة ثقافية. لتحويل القراءة من طقس نخبوي يمارسه عدد قليل من المثقفين إلى "سلوك يومي" (عادة مجتمعية)، يجب الخروج من "جدران المكتبة" والذهاب إلى الناس في تفاصيل حياتهم. إليك كيف يُمكن ترجمة ذلك إجرائياً وعملياً: 1. "دقرطة" الوصول (Democratization of Access) بدلاً من انتظار القارئ ليأتي إلى المكتبة، تذهب المكتبة إليه. إجرائياً يتم ذلك عبر: المكتبات المتنقلة: حافلات مجهزة تجوب القرى والأرياف والأحياء الشعبية بجدول زمني قار. نقاط المطالعة في فضاءات الانتظار: وضع "ركن كتاب" في محطات المترو، الحافلات، وقاعات انتظار المستشفيات. هنا تصبح القراءة حلاً لقتل الوقت وليست مجهوداً ذهنياً شاقاً. 2. رقمنة المحتوى وتطويع "الموبايل" المجتمع اليوم "يقرأ" لكنه يقرأ شاشات. تحويل القراءة لعادة يتطلب: تطبيقات إعارة رقمية: أن يتمكن المواطن من استعارة كتاب إلكتروني أو صوتي (Audiobook) عبر هاتفه بضغطة زر، تماماً كما يتصفح "تيك توك". توفير "الإنترنت المجاني" في المكتبات: لجذب الشباب لفضاء المكتبة أولاً من أجل "الويفي"، ثم إغراؤهم بالأنشطة الثقافية والمحتوى الرقمي المتاح. 3. ربط القراءة بالمنفعة والمصلحة (التمكين) النخبة تقرأ للمتعة أو المعرفة المجردة، لكن "المجتمع" يميل للقراءة التي تحسن حياته. إجرائياً: كتب "كيف..؟": توفير كتب عملية (تبسيط القانون، صيانة الأجهزة، الزراعة المنزلية، تربية الأطفال). ورشات المهارات: أن ترتبط القراءة بورشة عمل. مثلاً: نقرأ كتاباً عن "الذكاء الاصطناعي" ثم نقوم بورشة تطبيقية. هنا تصبح القراءة وسيلة لامتلاك "سلطة معرفية" تحسن وضع الفرد الاقتصادي. 4. أنسنة فضاء المكتبة (من "المعبد" إلى "النادي") يجب كسر الصورة النمطية للمكتبة كمكان بارد، صامت، ومخيف أحياناً: المقاهي الثقافية داخل المكتبة: السماح بوجود ركن للقهوة والموسيقى الخفيفة. الأنشطة التفاعلية: تنظيم "نوادي سينما"، "مسابقات ألعاب فكرية"، أو "لقاءات مع مؤثرين" وليس فقط مع كتاب وأكاديميين ببدلات رسمية. 5. الاستثمار في "الناشئة" (سياسة النفس الطويل) العادة لا تُبنى في يوم وليلة. إجرائياً: ساعة المطالعة الممتعة: بالتعاون مع المدارس، لا تكون حصة المطالعة "واجباً مدرسياً" مملاً، بل حصة "حكواتي" أو مسرحة للقصص. حقيبة المولود الجديد: في بعض الدول (كفنلندا)، تُهدى للأم عند الولادة حقيبة تحتوي على كتب قماشية للمولود، لتكريس وجود الكتاب في البيت منذ اليوم الأول. الخلاصة التحول من النخبوية إلى المجتمعية يتطلب "تنزيل الكتاب من الرف العالي". القراءة يجب أن تتوقف عن كونها "فعل تقديس" لتصبح "أداة استخدام" يومية، مثلها مثل رغيف الخبز أو شحن الهاتف.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire