dimanche 7 décembre 2025

شتاء

كانت رسائله قليلة ومتباعدة، كلما تقدّم المرض ببطءٍ لكنه بثباتٍ في الاستحواذ على عقله. كانت ترغب في أن تصرخ: "لماذا تتركني؟" لكنها كانت تعلم أنه يموت، وأن لا شيء يمكنها فعله، سوى أن تشاهده وهو ينطفئ. طلب منها أن تقوم بالرحلة عبر الأطلسي لزيارته قبل ديسمبر بشهرين، وهو الشهر الذي كانا قد خطّطا فيه لرؤية بعضهما البعض. أثار التغيير المفاجئ شيئًا من الفضول في داخلها، لكنه لم يكن كافيًا ليجعلها تفكر طويلًا. وكما في مرات كثيرة مضت، جلست إلى جواره، لكنه هذه المرة جذبها نحوه أكثر. بدأ يتكلم ببطء، يزن كل كلمة بعناية: "يا صغيرتي… أنا أموت. ولا أريد أن أُحزنك، لكنني لم أكن أنوي أن أدع المرض يصل إلى هذه المرحلة." تهرّبت عيناه الداكنتان من نظرتها قبل أن يخفت صوته: "احتجتُ أن تري بنفسك… كم أصبحتُ مريضًا." انهارت دموعُها، فضمّها إلى صدره. "هيه… أنا صلب،أتذكرين؟ لا شيء يهزمني." يا ليتها كانت تتمنى—بكل شظيةٍ مكسورةٍ من قلبها—أن تكون تلك الخيالات حقيقة، وأن يكون التشخيص القاسي مجرّد خطأ فادح. مرّ الأسبوع بسرعةٍ موجعة، ووجدت نفسها في مطار هيثرو، وهو يغني لها: "أنت شمسي...شمسي الوحيدة" مرّرت إصبعها على شاشة الهاتف وكتبت رمز القفل، تتوقّع أن ترى رسالته الصباحية المألوفة: "صباح الخير، يا ثعلبتي الصغيرة." ابتسمت حين ظهر رمز تطبيق الرسائل، ثم تثبّتت عيناها. كانت الرسالة من والدته تقول: "هل سمعتِ أخبارًا عن أريز؟ من الضروري أن أتواصل معه." خفق قلبها بضيق: "لا. لم أسمع منه شيئًا." اهتز الهاتف مجددًا: "اتصل بأخيه… إنه في السجن." صرخة صامتة انفجرت داخلها فيما تدفّقت كل لحظة حب بينهما في ذهنها كسيلٍ لا يُحتمل. راحت الذكريات تتراقص، وهي تحاول، بيأس، أن تُمسك بها. انهارت فوق أريكتها البالية، والنحيب يهزّ جسدها، بينما الحقيقة المروّعة تستقرّ ببطء في روحها. لن تراه مجددًا. لن تحتضنه مرة أخرى. عادت إلى ذهنها تلك الليلة من ديسمبر، ليلة مبهجة شقّت طريقها إلى قلبها. كانت الارجوحة تدور وهي تملأ رئتيها بالهواء البارد، وأضواء عيد الميلاد تُنير السماء المظلمة، فتجعل العالم يبدو هادئًا، مدهشًا، وممتلئًا بالسلام. لقد فعلتها—كانت في بريطانيا مع شخص تحبه، وشخص كانت تظنّ، وربما تعلم الآن، أنه يحبها بالقدر نفسه. نسجا معًا إيقاعًا طبيعيًا لفراقٍ ولقاء متكررين في مطار هيثرو المزدحم. وكان دائمًا بانتظارها عند البوابة، بابتسامة ونظرة تعشقها. ثم سمعت بكاءً—بكاء روحٍ مجروحة، حزينة… كان بكاءها هي. ذلك السلام الذي عاشته على الدوّامة تلاشى، وتسرّب الفرح من قلبها كما لو أن أحدهم أطفأ النور فجأة. لن يرى نظام العدالة الجنائية، ولا موظف المراقبة، ولا أي شخص يراقب ذاك الذي يعتبرونه "خطرًا على المجتمع"، الرجلَ الرقيق الشاعر الذي كان يحتضنها حين تمرض، ويواسيها حين ماتت حيواناتها الأليفة، ويقرأ لها. العناوين الصحفية التي تناولت جريمته الماضية كانت سخيفة. "هجوم هستيري بسكين" هكذا وصفته الصحافة. وبعد محاكمته، أُفرج عنه بشروط قاسية، تحت مراقبة دائمة مدى الحياة، يُعاد إلى السجن فورًا لأي علامة تدلّ على أنه "خطر على العامة". يا للمفارقة العجيبة. كيف يمكن لإنسانٍ بهذا القدر من المحبة أن يكون خطرًا؟ ابتسم لها يومًا حين تحدثت عن ذلك وقال: "أنت عالمي… وأحب الطريقة التي ترينني بها." ثم قبّل جبينها برقة. لكن، رغم كل شيء، كانت شروط الحكم واضحة. لا أعذار. لا تبريرات. لقد ارتكب جريمة ضد الدولة نفسها، وهم وحدهم يقررون مصيره الآن. سيموت خلف القضبان. كان يناديها نوره… عالمه… وكلّ شيءٍ لديه. وأخيرًا، تسرّبت آخر قطرة من الأمل خارج قلبها. لم تعد موجودة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire