dimanche 7 décembre 2025
قبل أن ينطفئ الضوء
لم تكن رسائله تصل كما في السابق. كانت تأتي متقطّعة، متعبة، قصيرة، كأن الكلمات نفسها صارت أثقل من أن يحملها.
لم تكن بحاجة إلى تفسير؛ كانت تشعر بأن المرض يزحف إليه… يلتهم عقله ببطء، ويأخذ منه شيئًا فشيئًا.
كانت تريد أن تصرخ:
"لماذا تذهب بعيدًا هكذا؟ لماذا تتركني؟"
لكنها كانت تعرف.
كان يموت… وكل ما يمكنها فعله هو النظر إلى المصير وهو يهبط عليه دون أن تمتلك وسيلة لردّه.
قبل موعد لقائهما بشهرين، اتصل بها بصوتٍ متعب وطلب منها أن تأتي.
لم تسأله لماذا غيّر خطته. اكتفت بشعور غامض يسحبها من الداخل.
وعندما وصلت، وجدته جالسًا كما كان دائمًا، لكنه بدا أصغر… كأن المرض قضم من ظلاله.
جلست إلى جواره، فتناول يدها وسحبها نحوه أكثر من المرات السابقة.
ثم بدأ يتحدث، كمن يختار كلماته من صندوق مهترئ:
— "صغيرتي… أنا أضعف مما تظنين. المرض يتقدّم… ولم أتخيل أن يصل بي إلى هذا الحد."
ثم نظر بعيدًا عنها، وكأن النظر إليها يؤلمه.
— "أردتُك أن تري بعينيك… كي لا أبقى مجرد خبر سيء يأتيك من بعيد."
انهارت دموعها دون إرادة، فاحتواها بذراعيه.
قال بخفوتٍ يحاول أن يكون خفيفًا:
— "هَي… أتذكرين؟ أنا أقوى من أن يسقطني شيء."
تمنّت لو كانت جملته حقيقة، لو كانت الدنيا تسمح للحب بأن يهزم المرض.
مر الأسبوع كنسمةٍ باردة تعبر وتنتهي.
وعندما وقفت في المطار لتعود، كان يقف أمامها يغني:
— "أنتِ شمسي… النور الوحيد في هذا العالم."
ابتسمت رغم الألم. كانت تعلم أن صوته قد لا يصل إليها مرة أخرى.
في صباحٍ بعيد، فتحت هاتفها، تنتظر منه رسالته المعتادة:
"صباح الخير يا ثعلبتي الصغيرة."
لكن الرسالة التي ظهرت حملت اسمًا آخر—اسم والدته:
"هل وصلك خبر منه؟ أحتاج الوصول إليه فورًا."
كتبت لها بسرعة:
"لا. لم يرسل شيئًا."
بعد لحظات، جاءت الرسالة الثانية:
"اتصل بأخيه… لقد عاد إلى السجن."
سقط الهاتف من يدها.
ارتفع في داخلها صراخ لا يُسمع، حادّ، جارح، كأن قلبها يُمزَّق بأصابع غير مرئية.
ارتسمت أمامها كل لحظة عاشتها معه.
ضحكته، صوته وهو يقرأ لها، يده التي كانت تمسح على شعرها، حضنه الذي كان يصدّ عنها كل ألم.
جلست على أريكتها، مطوّية على نفسها كطفلةٍ فقدت العالم كله.
كانت تعرف معنى الرسالة جيدًا:
لن يخرج هذه المرة.
لن يعود رجلًا حرًا.
ولن يعود إليها.
تذكّرت تلك الليلة الشتوية التي لمعت مثل جوهرة داخل عمرها.
كانت الدوّارة تدور، والبرد يلسع وجهها، فيما كانت أضواء الميلاد تلمع فوقها وتجعل العالم يبدو أجمل مما هو.
كانت معه، وكانت تؤمن أنه يحبها كما تحبه.
كان ينتظرها دائمًا عند بوابة المطار، بابتسامة من يملك الدنيا في لحظة.
والآن…
كانت تبكي.
كانت تسمع صوتًا يتكسّر داخلها.
ذلك السلام الذي عاشته تلك الليلة تبدّد كضوءٍ انطفأ فجأة.
كثيرون حكموا عليه من عنوان جريمته القديمة، ولم يرَ أحدٌ منهم ذلك الرجل الذي عرفتْه:
الرقيق، الهادئ، الذي كان يحتضنها عندما تمرض، ويقرأ لها حين تتعب، ويبقى إلى جوارها حتى تستعيد نفسها.
القانون لا يهتم بالقلوب.
ولا بقصص الحب.
ولا بلطف الناس.
لقد ارتكب خطأً في الماضي، وهذا وحده كان كافيًا ليقضي بقية عمره خلف الأسوار.
لم يكن هناك مجال لتبرير أو تفسير أو طلب فرصة جديدة.
كان دائمًا يقول لها:
"أنتِ نوري… عالمي… كل ما بقي لي من الحياة."
وحين أغلقوا عليه الباب الأخير، شعرت هي أن نورها انطفأ خلفه.
وكأن وجودها هي تلاشى معه أيضًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد كما كانت.
لم تعد تنتظر رسالة صباحية، ولا موعدًا جديدًا، ولا عودة عبر المطار.
صارت تعيش الأيام كما لو أنها خارجة من حكاية فقدت آخر فصل فيها.
كأنها—في الحقيقة—
لم تعد موجودة.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire