lundi 21 avril 2025

قاصيص «بابونج»: لغة السرد بين الواقعي والشعري.

أقاصيص «بابونج»: لغة السرد بين الواقعي والشعري. في المجموعة القصصية «بابونج»، تنسج جميلة الشريف حكاياتها بخيطين لغويين متوازيين: الأول يعانق الأرض بصرامته الواقعية، والثاني يحلق في فضاء الشعر بمجازاته وإيقاعاته. هذا التزاوج بين اليومي والشعري ليس مجرد أسلوب سردي، بل هو رؤية للعالم ترفض الفصل بين ماديات الواقع وروحانيته. فالشخصيات تعيش تفاصيلها العادية بأدق تفاصيلها، لكن هذه التفاصيل نفسها تتحول إلى استعارات تلمع تحت ضوء الكتابة. 1- لغة اليومي/الواقعي تنبني لغة اليومي في «بابونج» على عنصرين أساسيين: الأول هو توظيف المفردات اليومية المألوفة، والثاني هو بناء مشاهد واقعية تنبض بحياة الشخصيات، وتتجلّى لغة اليومي في "بابونج" عبر وصف التفاصيل الحياتية اليومية، والحوارات البسيطة، والمواقف الواقعية التي تعكس حياة الشخصيات في سياقها الاجتماعي عبر تفاصيل تكاد تكون محسوسة: أصوات الشوارع، رائحة المستشفيات، همسات القرى، وضجيج المدن... في قصة «إلياس بابونج»، نسمع حوارات المزرعة الجافة: «لم يكن الحديث في "الفيرمة" إلا عن الربح والخسارة، عن الرواء والجفاف، عن الزرع والحصاد، عن الكلاب الشرسة والكلاب المسالمة ...». هذه اللغة المباشرة، الخالية من الزخرف، ترسم واقعًا اجتماعيًا بكل قسوته، حيث تحاصر الشخصياتَ قيودُ الماديات. وفي «حمودة»، يتحول وصف المستشفى إلى لوحة واقعية قاسية: "الروائح المنبعثة من المراحيض المغروسة وسط الأقسام في غير هندسة ولا ترتيب... "، "الأسرّة المسنّة وحشاياها المهترئة وقوارير البول النائمة تحتها والخزائن الحديدية المزدحمة بالحفاظات المبلولة ...". هنا، اللغة تشبه كاميرا تسجل الواقع بلا رتوش، مما يخلق إحساسًا بالضيق الذي تعيشه الشخصيات. لكن هذه اللغة اليومية لا تبقى مسطحة. الكاتبة تحفر في تفاصيلها لتكشف عن الغرائب المختبئة في العادي. في «محبوبة»، تصبح عملية ذبح ديك مشهدًا مروعًا: «ولم يلبث أن تناثر دم الديك على جلبابه ووجهي وصدر فستاني... رقص “حيون” الديك المذبوح بسكين ابي الحاد ثم خرّ أرضا وانقطع النفس مرة واحدة». الوصف الواقعي هنا يتحول إلى نقد صامت للعنف المبتذل في الحياة اليومية. 2- لغة الشعر/الخيال بينما تغوص الأقاصيص في الواقع، فإنها تطل برأسها إلى عالم الشعر عبر صور تخلخل المألوف. في «وديع»، يصبح كأس الكحول رمزًا للخلاص: «وحدها الكأس تهبه نورًا فينطق بالحقيقة... كانت تهبه مفاتيح الأرض والسماء». الكأس هنا ليست شيئًا ماديًا، بل بوابة إلى عالم آخر. حتى الطرقات في «نوران» تتحول إلى كائن حي: «كم تشبهنا هاذي الطرقات،تئن في صمت والحديد يدهس تفاصيلها دون رحمة، تموت وتنبعث من جديد تحت عجلاته.». هذا الانزياح من الوصف إلى المجاز يخلق لغة مزدوجة: سطحها واقعي، وأعماقها شعرية. في «عزة»، تتحول الحرب إلى لوحة تعبيرية: "كانت القذائف ترسم خطوطاً حمراء في السماء، كأنها فرشاة مجنونة ترسم لوحة لن يعيش أحد ليراها". اللغة هنا تتحول من وصف الأحداث إلى خلق صور بصرية تظل عالقة في ذهن القارئ. وفي «رفقة ورفيقة»، نجد التشبيهات الشعرية تُحيل العلاقة الإنسانية إلى عناصر طبيعية: «عادت يومها كحمامة ناجية من شبكة صياد أطال حبسها وكنت الصياد، وكان هو المنقذ". عموما، اللغة المستخدمة في هذه القصص غنية بالصور الشعرية والتعبيرات المعقدة. هناك توظيف مستمر للمجازات والتشابيه لإيصال الفكرة والمشاعر وتغلب الصورة الأدبية على الأسلوب المباشر، مما يمنح القصص جمالية مميزة ويدعم المعاني النفسية. 3- التمازج بين اللغتين: جدلية الواقع والتخييل المهارة الحقيقية في «بابونج» تكمن في كيف تتداخل هاتان اللغتان وتغيب الحدود بينهما. في «ذكرى»، نجد هذا التداخل واضحاً: " الطريق خالية من السائر والطائر... مع كل خطوة أخطوها أقبض حفنة من الأمل". هنا يتحول الوصف المادي (الخطوات على الطريق) إلى صورة شعرية (القبض على الأمل). وفي «منتصر»، تصبح العصا التي يتكئ عليها رمزاً للكرامة: "كانت عصاه تصرخ على الأرض كلما مشى، كأنها ترفض أن تكون صامتة مثله". الكائن الجامد (العصا) يتحول إلى كائن ناطق يعبر عما لا يستطيع البطل التعبير عنه. وفي «برينغالام»، تتحوّل النفايات في الزقاق إلى مرآة للانحطاط الأخلاقي: كانت أكوام القمامة تنمو يومياً كأنها كائن حي يتغذى على حزن السكان". الكاتبة لا تختار بين الواقعي والشعري، بل تجعلهما وجهين لعملة واحدة: الواقع يصبح شعرًا، والشعر يصبح وسيلة لفهم الواقع. هذه الثنائية تجعل «بابونج» عملًا يحتفل بتناقضات الحياة نفسها: قسوة الواقع وجماله، صراخ المدن وصمت الحقول، دماء الحرب وزهور البابونج. اللغة هنا ليست أداة سرد فحسب، بل هي الجسر بين ما نراه وما نخاف أن نحلم به. خاتمة تُقدّم "بابونج" نموذجًا للسرد الذي يدمج الواقعي بالشعري دون تناقض. لغة اليومي ترسم عالمًا ملموسًا، بينما لغة الشعر تُضفي عليه عمقًا وجوديًا. هذا التمازج ليس تقنيًا فحسب، بل هو رؤية فنية تعكس ثنائية الحياة نفسها: ظاهر مادي وباطن روحي. الكاتبة هنا لا تروي قصصًا، بل تحوّل الواقع إلى قصيدة نثرية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire