jeudi 19 juin 2025

في حضرة الغياب

في حضرة الغياب *** سحبت شامة حقيبتها من الرفّ العلوي في خزانة غرفة النوم وفتحتها على السرير. غبارٌ خفيفٌ تبعثر في الهواء. أجالت نظرها حول الغرفة التي تقاسمتها مع مالك لسبع سنوات. "لقد أصبحنا شخصين مختلفين" - كلماته لا تزال تدوي في أذنيها. كانت تقيم مع صديقتها ساجية، التي عرضت عليها برحابة صدر استخدام غرفة الضيوف عندما علمت بالانفصال. "يمكنكِ البقاء في الغرفة طالما احتجتِ لذلك"، قالت لها ساجية. لم تعرف شامة إن كانت صديقتها تعني حتى يعود مالك إلى رشده، أم حتى تتعافى هي نفسها. بعد أيام من الانهيار المفاجئ لزواجها، عادت شامة إلى الشقة لجمع أغراضها، وهي لا تزال تعاني من الصدمة والسؤال الذي بقي بلا إجابة: لماذا انتهت العلاقة؟ "لا يوجد شخص آخر"، أكد لها مالك. ولم يكن الأمر متعلقًا بموقفها من إنجاب الأطفال أيضًا - وهو أمر لطالما ادّعى أنه لا يمانعه. لم يكن أي سبب محدد على الإطلاق. "لقد انتهى مسارنا معا" قال. دون خطة واضحة، بدأت شامة بحزم أمتعتها. أفرغت خزانتها أولًا، ثم الأدراج. بعد ذلك، جمعت زجاجات العطر، وعلب الأدوية نصف الفارغة، ومِكواة الشعر، ومعطف الفرو. كانت على وشك إغلاق الحقيبة عندما تذكرت زوجًا من الجوارب لم تجده بعد. كانت سوداء مطرزة باسمي شامة ومالك- هدية من حماتها في عيد زواجهما الأول. وجدت الجوارب تحت السرير، وكان مالك يرتديها وهو مستلقٍ يغط في نوم عميق. رفعته وألقت به على السرير. كان شابًا وسيمًا ودودا، وهذا ما جذبها إليه. لقد أُعجبت بذلك المزيج من مظهره وروح الدعابة اللطيفة لديه، لدرجة أنها كانت مستعدة لتجاهل عيوبه. بل إن تلك العيوب نفسها جذبتها إليه أكثر. كان مشروعًا تحت الإنشاء، شيئًا تحتاج إلى إصلاحه. بذلت جهدًا كبيرًا لمساعدته ليكبر ويصبح الرجل الذي سيحطم قلبها. بطريقة ما، كل هذا كان خطأها. هزت رأسها عند هذه الفكرة، ثم أمسكت بقدميه وألقت به داخل الحقيبة. سحبت الحقيبة إلى الحمام لتحضر بعض الأشياء من صندوق الأدوية. تصاعد البخار عندما فتحت الباب. كان مالك في الحمام يغني ممسكًا بليفة الاستحمام كما لو كانت ميكروفونًا. اعتادا الغناء معًا في الحمام. لم تتذكر متى بدأ ذلك، لكنه سرعان ما صار طقسًا عزيزًا عليهما. "دعينا نضع الأمور في نصابها". صدى صوته الجهوري اختلط مع صوت الماء. كان يشعر بحرج شديد من فكرة الغناء أمام الآخرين. كان يغني لها فقط، وفي الحمام فقط. وكان يشعر بالراحة عندما يغني لها. . ردت عليه بصوت متكسر قليلا. "لو استطعتُ، يا حبيبي، لأعطيتكِ عالمي" لطالما أحبت تلك اللحظة الحميمية بينهما. اغرورقت عيناها بدموع حاولت كبحها. فتحت ستارة الحمام، ولفت ذراعيها حول خصره، ثم طوت جسده وألقت به داخل الحقيبة مع ليفة الاستحمام. هل هناك طريقة سهلة لفصل حياتين متشابكتين مثل حياتهما؟ كانت غرفة الجلوس خاصةً بمثابة نصب تذكاري لزواجهما. معظم الأثاث اشترياه معًا، وكل قطعة تحمل ذكرى زيارات متاجر الأثاث، ومحاولات محبطة لإدخال القطع عبر باب منزلهما الضيق. كانت هناك مجموعة ألعاب الطاولة، وكومة من الكتب التي قرآها على حافة النافذة، والكرسي العتيق الذي اشترياه من مزاد وأعادا تنجيده معًا. وعلى الأريكة كانت البطانية باهظة الثمن التي اتفقا على أنها تستحق ذلك لأن "الراحة لا تقدر بثمن". كل شيء كان جزءًا لا يتجزأ من هويتهما كزوجين. أخذت الكرسي، وألعاب الطاولة، والكتب، والبطانية، وألقت بها جميعًا في الحقيبة. وجدت مالكا مستلقيًا تحت البطانية، وفي يده جهاز التحكم عن بعد، وزجاجة بيرة نصف فارغة بجانبه. كم مرة عادت إلى المنزل لترى هذا المشهد؟ كم خططًا أُلغيت على مَرّ السنين لأنه كان قد ثمل قبل التنفيذ؟ السنة الثانية كانت قاسية. كانت مشاجراتهما تهز إطارات الصور من على الجدران. فكرت في إنهاء الأمر مرات عديدة. لكنها لم تفعل. بدلًا من ذلك، واجهت إدمانه بعناد، مصممة على مساعدته في التغلب على بلوته. وقد فعل. التقطت زجاجة البيرة برفق ووضعتها على طاولة القهوة، ثم رفعته وألقت به داخل الحقيبة. بحلول ذلك الوقت، بدأت شامة تشعر بالضيق من قلة الأشياء في حياتهما المشتركة التي كانت ملكًا لها وحدها. من كانت هي بدونه؟ لقد استثمرت الكثير من نفسها فيه حتى نسيت من تكون. إذا لم تكن تعرف نفسها، فهل سيعرفها أحد آخر؟ سمعت ضحكا عند دخولها المطبخ. كان مالك هناك، مع "خيرة" و"ذاكر"، الزوجين اللذين أصبحا صديقين مقربين لهما منذ أن التقيا لأول مرة. بينما كانت تخرج أطباق الطهي والأكواب المفضلة من الخزانة، لاحظت لغة جسد مالك الخجولة وتذكرت محادثتهما الأولى في المقهى عندما اعترف لها بأنه يعاني من القلق الاجتماعي، وأن التحدث إلى الناس كان يُشعره بالتوتر.. إلا معها، قال. فرغم أنهما التقيا للتو، لم يشعر بأي توتر وهو يتحدث إليها. فكرت شامة في كل الخيوط الممتدة من علاقتهما إلى شبكة الأصدقاء التي كوّناها على مَرّ السنين. هل سيقفون إلى جانبه؟ هل سيتقاسمونهما، كما تُقسم الممتلكات في الطلاق؟ كيف ستواجههم، وهي تعلم أن معظمهم لم يعرفوها إلا كزوجة مالك؟ بقيت شامة عند ساجية لفترة، تقضي معظم وقتها في غرفتها تفرز محتويات الحقيبة. كل الليالي متشابهة- شيء ما يذكرها بمالك، فتقضي بقية الليل وهي تسكب دموعها على محتويات الحقيبة. كانت تأخذ الحقيبة معها في كل مكان، حتى في المناسبات النادرة التي تنجح فيها ساجية في إقناعها بالخروج والتواصل الاجتماعي. كانت تجرّها إلى العمل، وتأخذها معها عند زيارة والدتها، بل واصطحبتها في أول موعد غرامي بعد الفراق، عندما كانت تعتقد أنها مستعدة لتجربة جديدة. بعد فترة، توقف الناس عن سؤالها عن سبب حملها لتلك الحقيبة الثقيلة طوال الوقت. في غياب زواجها، أصبحت تلك الحقيبة هويتها. لو كانت صادقة مع نفسها، لاعترفت أنها لم تعد تعرف من تكون بدونها. ظلت الحقيبة ملازمة لشامة، ولكن مع مرور الأسابيع ثم الأشهر، أصبحت أقل إدراكًا لثقلها، حتى جاء يوم لم تعد الحقيبة تزن شيئًا تقريبًا. في ذلك اليوم، أخبرت ساجية أنها قد تكون مستعدة للبحث عن مكان خاص بها. كان يومًا ربيعيا مشمسًا مليئا بالوعود عندما وقعت عقد إيجار شقة صغيرة تطل على حديقة هادئة. بعد ذلك، سارت المرأتان إلى مقهى قريب. بينما كانتا تتحدثان عن إمكانيات المنزل الجديد، شعرت شامة بشيء ينفتح داخلها، ويكشف في تفاصيله عن جزء من لغز هويتها، وكيف يمكن لهذه النسخة الجديدة منها أن تتأقلم بسهولة في مكان كهذا. في تلك الليلة، أخرجت شامة الحقيبة إلى الرصيف وأسندتها على بعض صناديق القمامة. ما كادت أن تستدير حتى دفعها صوت إلى العودة. هناك، في ضوء متقطع لمصباح الشارع، كانت امرأة عجوز تحاول سحب الحقيبة بعيدًا. نظرت إلى شامة بعينين متوسلتين وهي تسحب الحقيبة، وكعباها ينزلقان على الرصيف، وأنفاسها تتصاعد بين أسنانها المطبقة، ووجهها يتحول إلى لون داكن من شدة الجهد. أوقفتها شامة بوضع يدها بلطف على كتفها: "حان الوقت الرحيل"، قالت. جلستا معًا على الرصيف وفتحتا الحقيبة. بمجرد أن بدأت محتويات الحقيبة تتساقط على الرصيف، أخذت المرأة تبحث بين أكوام الذكريات بلهفة تشبه الهستيريا. راقبت شامة بشفقة بحثها المحموم وهو يغوص بها عميقًا في الحقيبة. وسرعان ما لم يظهر منها سوى ساقيها، وبعد لحظة، اختفت المرأة تمامًا داخل الحقيبة. عندما اختفت، جمعت شامة ما سقط وأعادته إلى الحقيبة، ثم أغلقتها. ووضعت أطراف أصابعها على المقبض، وابتسمت. شعرت بخفة لم تشعر بها منذ شهور، وربما سنوات. ضحكت بينما ارتفعت في الهواء، عبر أغصان شجرة كالبتوس، نحو سماء الليل، حتى امتدت أضواء المدينة اللامعة أمامها مثل بحر متلألئ من الاحتمالات اللامتناهية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire