mercredi 5 mars 2025

العاصفة الأخيرة

العاصفة الأخيرة قصة: محمد الأمجد العبيدي لقد نجا مما هو أسوأ. كان يفعل ذلك دائمًا. منصور، الرجل العجوز، عنيد ومتذمر، عاش حياته كلها في كوخ صغير معزول في الغابة. كان صدى الرياح العاتية والمطر الغزير رفيقيه الدائمين، كما كان الصمت الغريب الذي يسكن المكان بعد العواصف. نظر منصور نحو السماء المضطربة. في دويّ العاصفة، كان هناك شيء مختلف هذه المرة، نداء خفي، مبهم، لم يألفه من قبل. "عاصفة مدمرة تقترب... يُرجى إخلاء المنطقة فورًا" كان صوت المذيع منبعثًا من الراديو، لكن منصور، بطبيعته العنيدة، مدّ يده إلى المفتاح ليطفئه. غير أن أصابعه توقفت في منتصف الطريق. الجندي السابق، الذي خرج حيًا من أهوال الحرب العالمية الثانية، كان عليه هذه المرة أن يتوقف، أن يتردد. لكنه أقنع نفسه سريعًا: ."العاصفة ستمر... كما تفعل دائمًا" كانت الرياح تزمجر بجنون، والمطر يضرب النوافذ بعنف. ثم جاءت الطرَقات، سريعة، متتالية، كأنها ضربات قلب مذعور. أصوات خافتة في الريح... همسات. لم ينخدع منصور. "مجرد حيل عاصفة شريرة، رأيتُ وسمعتُ مثلها من قبل". ثم انقطع التيار الكهربائي، ولف الظلام الكوخ. أطلقت النار في الموقد أنفاسها الأخيرة، متخلية عن لهبها الخافت. لم يكن هذا جديدًا عليه. لكن عندما نظر إلى النافذة، رأى ظلًا يتحرك في الخارج. لم يكن الظل غريبًا، بل كان مألوفًا حد الرعب. أدار المقبض. فتح الباب. وقف أمامه شابٌ في منتصف العشرينيات، عيناه واسعتان بالخوف. كان... هو. نسخة أصغر منه، منصور كما كان قبل عقود. قال الشاب، وصوته مزيج من الرجاء والتحذير: ."يجب أن تغادر، أو لن تنجو. ليس هذه المرة. استمع إلي." وفجأة، تذكر. وقف منصور بلا حراك، فمه مفتوح قليلًا. كل شيء في الشاب كان مألوفًا... مظهره، نظرته القلقة، حتى التوتر الذي انتابه. لكنه بدا أيضًا غير ملائم، كأنه صورة شبحية لا تنتمي لهذا الزمن. ثم، بعناد، أغلق الباب بقوة. هل كان ذلك وهمًا؟ خدعة من العاصفة؟ أم مزحة سمجة من عقله في هذه الليلة المشؤومة؟ ظل صوت الشاب يتردد في رأسه: ."ليس هذه المرة" لكن العاصفة لا تنتظر أحدًا. كانت تهدر بغضبها البدائي، تمزق السماء بألسنة برق حادة، تهدد بابتلاع كل شيء. هذه لم تكن عاصفة عادية، بل كانت مختلفة، كما لو أنها كانت تنتظره، هو بالذات. في الخارج، لم يبتعد الشاب. نظر إلى منصور نظرة تحمل كل المرارة الممكنة، ثم قال بحدة: ."أنت تعرف دائمًا... لكنك لا تستمع أبدًا" عندها فقط، أدرك منصور الحقيقة. لقد كان محقًا. طوال حياته، كان يتجاهل كل التحذيرات، يرفض الإصغاء، يتحدى القدر كما لو كان خالدًا. لكنه لم يكن كذلك. لم يكن كذلك أبدًا. مدّ يده نحو النسخة الأصغر منه، بحذر، كمن يطلب المغفرة. في عيني الشاب، لمع بصيصا من الأمل... ثم بدأ يتلاشى. شاحبًا، شفافًا، حتى اختفى كليًا. في تلك اللحظة، انفتح باب الشرفة بعنف، كما لو أن العاصفة نفسها قررت التدخل. الهواء صفع وجهه، وشيء ما في داخله انهار. ."كنت أعرف دائمًا... لكن ذلك لم يعنِ شيئًا. لم أستمع أبدًا" وفي الصباح، حل السكون. العاصفة رحلت، تاركةً وراءها الفوضى والخراب. الكوخ، الذي احتضن منصور لسنوات، كان الآن فارغًا. لا أثر له. لا جثة، لا بصمات. عندما وصل فريق الإنقاذ، لم يجدوا نوافذ محطمة، ولا أبوابا مكسورة. فقط كوخًا مهجورًا، ومسكونًا بشيء لا يمكن تفسيره. أما النداء الأخير... فقد ظل بلا إجابة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire